علمنا في المقال السابق أن الإسلام ينظر لغير المسلمين نظرة تكامل، وسلام، واندماج مع الاحتفاظ بالهوية، وذكرنا أن تاريخ انتشار الإسلام نظيف وأن نتائج المعارك التي شنها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتي كانت في مجملها رد فعل من المسلمين في إطار الدفاع المشروع النفس والعقيدة كانت نتائجها من شهداء وقتلى من المشركين لا يتجاوز ثلاثمائة شخصا.
وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم فإننا لا نجد أي جيش من جيوش المسلمين في أرض غير بلادهم، في حين أننا نرى القوات الأمريكية والإنجليزية تحتل العراق وأفغانستان، ونرى القوات الإسرائيلية وهي تحتل الأراضي بعد سنة 1967 بالرغم من كل القرارات الدولية المتعلقة بذلك، والتي تدعو فيها إسرائيل إلى ترك الاحتلال.
إن هذه المشكلة وهذا الواقع غير منقول، إن المسلمين في كثير من بقاع العالم، وهم أكثر من مليار وثلاثمائة مليون أي ربع سكان الأرض في حالة سلام مع النفس ومع الجيران، وفي حالة سلام مع الله؛ إلا أن ضغوطا سياسية وأهواء اجتماعية وجهل ديني عميق حرك طائفة من الشباب ممن لم يدرسوا أبدا الشريعة ولم يتخرجوا في معاهدها من أجل تفريغ الإحباط الذي أصيبوا به من موقف المتشددين ضد الإسلام، ولم نعد هذه الحالة مبررا للجرائم التي يرتكبونها وإنما عندما بحثنا بحثا علميا هادئا عن سبب هذا التناقض بين تصرفات أولئك وبين ما يدعو إليه الإسلام توصلنا إلى هذه النتيجة من أن الجهل والإحباط والأهواء السياسية هي التي دفعت أولئك، وليس ذات الدين أو مقرراته وأحكامه.
ويقوم الإعلام بتكريس الإسلام فوبيا والتركيز على تصريحات هذه الفئة القليلة دون الاهتمام بما عليه كل المسلمين في الشرق والغرب.
ومن هذا كله يتضح أن الإسلام كعقيدة ودين لا يمنع المسلمين الذين يعيشون في أركان الأرض من أن يندمجوا في مجتمعاتهم التي اختاروا أن يعيشوا فيها، وأن يوالوا هذه المجتمعات، بل إن القرآن يقرر أن هذا هو الحال الذي خلق الله الخلق عليه قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات :13].
غير أن هذا الفهم لا ينفي حدوث الصراع أو إمكانية حدوثه ووقوعه، ولكن هناك فرق بين أن نجعله أصلا للخلقة لا يمكن الفرار منه، وبين أن نجعله حالة عارضة يجب أن نسعى لإنهائها حتى تستقر الأمور على الوضع الأول الذي خلقه الله.
والمسلمون يجدون في كل حالة بيان الشرع الجلي الذي يجعلهم على نور من ربهم في كل تصرفاتهم، فإذا ما اضطرهم غيرهم للدفاع عن أنفسهم وعن عقيدتهم وعن أرضهم فيجدون في كتاب ربهم وسنة نبيهم النصوص التي توضح لهم كيفية الجهاد في سبيل الله وتحدد معالم قتال النبلاء للدفاع وليس للعدوان.
فصحيح أن القرآن الكريم قال : ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة : 8] إلا أن قال : ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة :9].
فالإسلام دعا إلى السلام بغير استسلام وبغير ذل وخنوع، وإذا ما واجهت الأمة الاعتداء عليها وجاءها عدوها يحتل الأرض وينتهك العرض ويدنس المقدسات، عندئذ تنشأ حالة الصراع المؤقت الذي يؤمن المؤمن أنه لا يستمر وأن الأمر لابد وأن يعود إلى الاستقرار والسلام، ولكنه رغم كل ذلك يتعامل مع هذا الواقع، ويجد في كتاب ربه من الآيات ما تعلمه كيف يتعامل في هذه المواقف.
يقول ربنا في بداية الإذن للمسلمين بالوقوف في وجه أعدائهم : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج :39 ، 40].
ثم ينقل ربنا عباده المؤمنين لمرحلة الإعداد للحفاظ على هذه الحرمات التي أراد المفسدون انتهاكها، فيقول سبحانه : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال :60] .
وينبه ربنا على أن القتال في سبيل لله لا يكون إلا للمعتدين الذين يقتلون الآمنين، وينهانا سبحانه عن الاعتداء في قوله سبحانه : ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوَهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوَهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوَهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة :190 ، 191].
والنبي صلى الله عليه وسلم : يقول : (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) [رواه ابن ماجه].
لذا يتبين لنا أن الجهاد في سبيله غايته الفلاح وإنهاء الفساد في الأرض والخروج عن مفهوم القتل الذي جعله الله علامة على خذلان ابن آدم وعقابه إلى مفهوم القتال؛ لرفع العدوان، ورفع الطغيان، وعدم السكوت على إنكار المنكر، وعدم السكوت على الإفساد الخسيس للأرض.
والإسلام يأمر بالعدل في كل حال، يقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة :8]، ويقول سبحانه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل :90].
فالإسلام لا يقبل بفتنة تعصف بالدين، ولا احتلال يعصف بالدنيا، ولا هذا الهراء الذي يمارسه الصهاينة في فلسطين، ولا الأمريكان في العراق، إننا نؤمن بالله واليوم الآخر ونعلي راية الجهاد على وجهها، ونؤمن الله متم نوره كما أخبر سبحانه : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ [الصف :8]
هكذا يجد المؤمن في كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أساس سنة التكامل وأنها الأصل الذي يدعو العالمين إليه، وإذا ما طرأ الصراع ووقع عليه الظلم يجد كذلك في نصوص الوحي الشريف المنهج القويم لدفع العدوان ورد الظلم وأخذ الحقوق.
إنها الوسطية التي أخبرنا بها ربنا في كتابه، وجعلها سمة هذه الأمة الوارثة لميراث الأنبياء، قال تعالى : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة :143]، هذه الوسطية هوية ذاتية لهذه الأمة ، إذ الجعل الإلهي هو الذي يمد الأشياء بحقائقها وهوياتها ولوازمها الذاتية، و مظاهر الوسطية في الإسلام لا تخطئها عين الباحث المنصف : فعقيدة الإســلام وسط بين إنكار الألوهية وتعدد الآلهة، والعبادة في الإسلام وسط بين الأديان التي تعول على التأمل والتفكر ، وتستبعد الشعائر والعبادات، والأديان التي تلغي كل شيء لحساب العبادة والانقطاع والرهبنة والهروب من الحياة، إن على المسلم أن يعبد الله وهو في قلب الحركة والصراع مع الحياة ، فهو مكلف بشعائر يومية أو سنوية أو مرة واحدة في العمر ، ليكون دائم الصلة بالله تعالى ، ثم هو مكلف بعمارة الأرض والمشي في مناكبها والأكــل مما رزقه الله.
والإسلام وسط في نظرته للإسلام المكون من روح ومن مادة، ومطلوب منه أن يتوازن بين مطالب هذين القطبين ، فلا يجور على أحدهما لحساب الآخر. والإسلام وسط في تشريعاته الضرورية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فحيثما وقعت عيناك على جانب من جوانب الإسلام: عقيدة وشريعة وأخلاقاً، فسوف تجده عدلاً وسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط.
: الوسطية تمثل صمام الأمن والأمان في هذا الدين ، ومن ثم فإن الخروج عنها إلى أي من الطرفين المتقابلين يصيب هذا الدين في مقتل ، يستوي في ذلك الخروج إلى طرف التقصير والتفريط ، والخروج إلى طرف الغلو والإفراط ، وضابط الفرق بينهما : أن التفريط نقص عن المطلوب الشرعي ، والإفراط زيادة عنه ، بما يعني أن كل زيادة عن المطلوب الشرعي إفراط أو تشدد وغلو ، وكل نقص عنه تفريط أو تقصير .. والتشدد والتقصير كلاهما قبيح ومذموم ، لأنهما يمثلان خروجاً عن الوسط الذي هو العدل .. والذي يتشدد ويغالي ويحرم الحلال ليس أحسن حالاً ولا أفضل من الذي يتميع ويبتدع ويحل ما حرم الله . كلاهما معتد على حرمة الإسلام ، وكلاهما خارج عن حدوده ومعالمه ، وكلاهما كاذب يزعم لنفسه حق التشريع في الدين بما لم يأذن به الله ، وكل محاولة من هذا القبيل _ إفراطاً أو تفريطاً _ إنما هي في واقع الأمر محاولة لتفريغ حقيقة الإسلام من مضمونها كما أراده الله تعالى لهذه الأمة وكما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته الشريفة.
والوسطية دعوة للاتحاد والقوة ، وهو مقصد أساسي في الدين الإسلامي ، والسبب في ذلك أن الوسطية أمر ميسور للجميع لأنه لا خلاف عليه ويمكن الالتفاف حوله في جميع الظروف والأحوال وأن التنوع في إطار الوسطية أمر مقبول ولا يقدح أبداً في وحدة المسلمين ، بخلاف التشدد فإنه يصعب على كثيرين ، ويفرز اختلافات وانقسامات تبدو معها الأمة الواحدة وكأنها أمتان أو أمم مختلفة ، وهو ما يرفضه الإسلام ويبغضه ويحذر منه أمة الإسلام، قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران :103]
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة ، لأن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار» [رواه أحمد والترمذي]. وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الشيطان ذئب الإنسان ، وإنما يأكل الذب من الغنم القاصية» [رواه أحمد]، ويقول صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين ابعد» [الطبراني في الأوسط]
وما أحسن ما قال ابن القيم في مدح الوسطية : «والأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به؛ فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك» [الفوائد لابن القيم].
وإذا كان عصرنا ينبذ التطرف في الفكر أو في السلوك فإن الإسلام الذي جاء يدعو إلى الوسطية يرفض كل شكل من أشكال السلوك المتطرف، ويدعو إلى هذه الوسطية في كل شيء بلا إفراط أو تفريط.


