الحضارة والتاريخ الإسلامي

عناصر الحضارة عامة وعناصر حضارة المسلمين خاصة

مظاهر الحضارة عامة :

للحضارة عمومًا مظاهر تعرف بها منها المظهر  السياسي : ويبحث في هيكل الحكم، ونوع الحكومة، ملكية أم جمهورية، دستورية أم مطلقة.  والمظهر  الاقتصادي: ويبحث في موارد الثروة ووسائل الإنتاج الزراعي والصناعي، وتبادل المنتجات. المظهر  الاجتماعي:ويبحث في تكون المجتمع ونظمه وحياة الأسرة، والمرأة، وطبقات المجتمع. والمظهر  الفكري: ويبحث في النتاج الفكري من فلسفة وعلم وأدب. والديني: ويبحث في المعتقدات الدينية، والعبادات،وعلاقة الإنسان ونظرية الكون والحياة.  والفني:ويبحث في الفن المعماري والنحت والرسم والموسيقى. وغيرها.

مصادر الحضارة :

أهم مصدر من مصادر الحضارة الكتابة والكتابة أهم وسيلة لتدوين حضارة الإنسان، لقد أصبحت اللغة المكتوبة وسيلة الحضارة والعلم والتربية لأنها تعطي المعرفة البشرية وصفة الدوام.

إن الوثائق المكتوبة بالإضافة للآثار المادية تعتبر مصادر الحضارة. ويزداد شأن الآثار المادية كلما أوغلنا رجوعاً إلي الزمن فمعظم الحضارات السالفة سجلت على آثارها ما تريد قوله بكتابات شتى.

ويتم الاتصال بين الحضارات، وبالتالي انتقالها عن طريق: الغزو، أو الفتح، أو الحكم الأجنبي، أو الهجرة و السياحة والتجارة والجوار.

مظاهر الحضارة الإسلامية :

كانت صناعة الكتب منتشرة في كل أنحاء [العالم الإسلامي] وكانت [الحضارة الإسلامية] تدور حول الكتب. فقد كانت توجد المكتبات الملكية والعامة والخاصة في كل مكان حيث كانت تجارة الكتب ومهنة النساخة رائجة وكان يقتنيها كل طبقات [المجتمع الإسلامي] الذين كانوا يقبلون عليها إقبالاً منقطع النظير .وكان سبب هذا الرواج صناعة الورق ببغداد وسمرقند .وكانت المكتبات تُتيح فُرص الاستعارة الخارجية .وكانت منتشرة في كل الولايات والمدن الإسلامية بالقاهرة وحلب وإيران ووسط آسيا وبلاد الرافدين والأندلس وشمال أفريقيا .وكانت شبكات المكتبات قد وصلت في كل مكان بالعالم الإسلامي.

وكان الكتاب الذي يصدر في بغداد أو دمشق تحمله القوافلُ التجارية فوق الجمال ليصل لقرطبة بأسبانيا في غضون شهر . وهذا الرواج قد حقق الوحدة الثقافية وانتشار اللغة العربية. وكانت هي اللغة العلمية والثقافية في شتى الديار الإسلامية.

كما كان يعني بالنسخ والورق والتجليد . مما جعل صناعة الكتب صناعة مزدهرة في العالم الإسلامي لإقبال القراء والدارسين عليها واقتنائها. وكانت هذه الكتب تتناول شتى فروع المعرفة والخط وعلوم القرآن وتفاسيره واللغة العربية والشعر والرحلات والسير والتراث والمصاحف وغيرها من آلاف عناوين الكتب. وهذه النهضة الثقافية كانت كافية لازدهار الحضارة الإسلامية وتميزها وتطورها.

في نهايات القرن الثامن الميلادي  أنشأ المسلمون بيت الحكمة وهو ما يمكن أن نسميه في أيامنا هذه بأكاديمية البحث العلمي وكان ذلك في عاصمة الخلافة العباسية ببغداد، وأقاموا به مرصدًا ومكتبة ضخمة، كما أقاموا مرصدًا ثانيًا في سهل تدمر بالشام، وجمع المخطوطات من كل الدنيا لتترجم علومها، وكان يشجع الدارسين مهما تنوعت دراستهم، وحقق بهذا التوجه قفزة حضارية غير مسبوقة رغم وجود النهضة العلمية وقتها.

وقد قام الفلكيون في تدمر في بتحديد ميل خسوف القمر ووضعوا جداول لحركات الكواكب، وطلب منهم تحديد حجم الأرض، وقاسوا محيطها، فوجدوه 20400 ميلاً، وقطرها 6500 ميلاً. وهذا يدلُ علي أن العرب كانوا علي علم وقتها، بأن الأرض كروية قبل كويرنيق بخمسة قرون. كما طلب المأمون منهم وضع خريطة للأرض، وفي علم الفلك أثبتوا دورانها. وقياساتهم -تقريباً لها- تطابق ما قاسه علماء الفلك بالأقمار الصناعية.

وقد ظهرت عبقرية الخوارزمي في الزيج (جدول فلكي) الذي صنعه وأطلق عليه اسم «السند هند الصغير» وقد جمع فيه بين مذهب الهند، ومذهب الفرس، ومذهب بطليموس الإغريقي في الفلك، وصار لهذا الزيج أثر كبير في الشرق والغرب.

وابتكر المسلمون علوماً جديدة لم تكن معروفة قبلهم وسموها بأسمائها العربية كعلم الكيمياء وعلم الجبر وعلم المثلثات، ومن مطالعاتنا للتراث العلمي الإسلامي نجد أن علماء المسلمين قد ابتكروا المنهج العلمي في البحث والكتابة، وكان يعتمد علي التجربة والمشاهدة والاستنتاج، و أدخل العلماء المسلمون الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية ورسوم الآلات والعمليات الجراحية، و رسم الخرائط الجغرافية والفلكية المفصلة.

وقد ابتدع المسلمون الموسوعات و القواميس العلمية حسب الحروف الأبجدية، وكان لاكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة (الوراقة) في العالم الإسلامي فضل في انتشار تأليف المخطوطات ونسخها.

مع هذه النهضة العلمية ظهرت الجامعات الإسلامية لأول مرة بالعالم الإسلامي قبل أوربا بقرنين، وكانت أول جامعة بيت الحكمة أنشئت في بغداد سنة 830 م, ثم تلاها جامعة القرويين سنة 859 م في فاس بالمغرب، ثم جامعة الأزهر سنة 970 م في القاهرة. بينما أنشئت أول جامعة أوروبية سنة 1090م في صقلية في مدينة سالرنو على عهد ملك صقلية روجر الثاني وقد أخذ فكرتها عن العرب هناك. ثم تلاها جامعة بادوا بايطاليا سنة 1222 م. وكانت الكتب العربية تدرس بها وقتها.

وقد ظهرت الجامعات الإسلامية بنظام وترتيب مبهر فكانت هناك تقاليد متبعة، حيث كان للطلاب زي موحد خاص بهم وللأساتذة زي خاص. وربما اختلف الزي من بلد إلي بلد ومن عصر إلي عصر. وقد أخذ الأوربيون عن الزي الجامعي الإسلامي الروب الجامعي المعمول به الآن في جامعاتهم، وكان الخلفاء والوزراء إذا أرادوا زيارة الجامعة الإسلامية يخلعون زي الإمارة والوزارة ويلبسون زي الجامعة قبل دخولها، وكانت اعتمادات الجامعات من إيرادات الأوقاف، فكان يصرف للطالب المستجد زي جديد وجراية لطعامه، وأغلبهم كان يتلقى منحة مالية بشكل راتب وهو ما يسمى في عصرنا بالمنحة الدراسية Scholarship .فكان التعليم للجميع بالمجان يستوي فيه العربي والأعجمي والأبيض والأسود.

وبالجامعات كانت توجد المدن الجامعية المجانية لسكنى الغرباء وكان يطلق عليها الأروقة. والطلبة كان يطلق عليهم المجاورون لسكناهم بجوارها. ونرى تلك الأسماء حاضرة بيننا الآن في جامع الأزهر الشريف، وكان بالجامعة الواحدة أجناس عديدة من الأمم والشعوب الإسلامية يعيشون في إخاء ومساواة تحت مظلة الإسلام والعلم. فكان من بينهم المغاربة والشوام والأكراد والأتراك وأهل الصين وبخارى وسمرقند. وحتى من مجاهل أفريقيا وآسيا وأوروبا. وكان نظام التدريس في حلقات بعضها يعقد داخل الفصول. وأكثرها كان في الخلاء بالساحات أو بجوار النافورات بالمساجد الكبرى، وكان لكل حلقة أستاذها يسجل طلابها والحضور والغياب، ولم يكن هناك سن للدارسين بهذه الجامعات المفتوحة، وكان بعض الخلفاء والحكام يحضرون هذه الحلقات،وكانوا يتنافسون في استجلاب العلماء المشهورين من أنحاء العالم الإسلامي، ويغرونهم بالرواتب والمناصب, ويقدمون لهم أقصى التسهيلات لأبحاثهم. وكان هذا يساعد على سرعة انتشار العلم وانتقال الحضارة الإسلامية بديار الإسلام.

كما كانت الدولة الإسلامية تعنى بالمرافق الخدماتية والعامة بشكل ملحوظ. فكانت تقيم المساجد ويلحق بها المكتبات العامة المزودة بأحدث الإصدارات في عصرها ودواوين الحكومة والحمامات العامة ومطاعم الفقراء وخانات المسافرين علي الطرق العامة ولاسيما طرق القوافل التجارية العالمية، وطرق الحج التراثية وإنشاء المدن والخانقاهات والتكايا المجانية للصوفية واليتامى والأرامل والفقراء وأبناء السبيل، وأقيمت الأسبلة لتقدم المياه للشرب بالشوارع.

وكان إنشاء البيمارستنات (المستشفيات الإسلامية) سمة متبعة في كل مكان بالدولة الإسلامية يقدم بها الخدمة المجانية من العلاج والدواء والغذاء ومساعدة أسر المرضى الموعزين.وكلمة باريمستان بالفارسية هو مكان تجمع المرضى، وكلمة مستشفى معناها بالعربية مكان طلب الشفاء؛ لهذا كان الهدف من إنشاء هذه المستشفيات غرضًا طبيًا وعلاجيًا، عكس المستشفيات في أوربا وقتها، كانت عبارة عن غرف للضيافة ملحقة بالكنائس والأديرة لتقدم الطعام لعابري السبيل أو ملاجيء للعجزة والعميان والمقعدين ولم تكن للتطبيب. وكان يطلقون علي هذه الغرف كلمة مضيفة Hospital، وهي مشتقة من كلمة ضيافة Hospitality. وأول مستشفى بني بإنجلترا في القرن 14م. بعد انحسار الحروب الصليبية علي المشرق العربي, بعدما أخذ الصليبيون نظام المستشفيات الإسلامية و الطب العربي عن العرب.

وكان أول مستشفى في الإسلام بناه الوليد بن عبد الملك سنة706 م (88 هـ) في دمشق. وكان الخلفاء المسلمون يتابعون إنشاء المستشفيات الإسلامية الخيرية باهتمام بالغ. ويختارون مواقعها المناسبة من حيث الموقع والبيئة الصالحة للاستشفاء والاتساع المكاني بعيدًا عن المناطق السكنية . وأول مستشفى للجذام بناه المسلمون في التاريخ سنة 707 م بدمشق.

في حين أن أوربا كانت تنظر إلى الجذام على إنه غضب من الله يستحق الإنسان عليه العقاب حتى أصدر الملك فيليب أمره سنة 1313 م بحرق جميع المجذومين في النار. وكانت المستشفيات العامة بها أقسام طب المسنين،  بها أجنحة لكبار السن وأمراض الشيخوخة . وكانت توجد المستشفيات الخاصة. والمستوصفات لكبار الأطباء بالمستشفيات العامة .

وأقام المسلمون السدود الضخمة أيام العباسيين والفاطميين والأندلسيين فوق الأنهار كسد النهروان وسد الرستن وسد الفرات، كما أقاموا سور مجرى العيون بالقاهرة أيام صلاح الدين الأيوبي وكان ينقل الماء من فم الخليج علي النيل إلي القلعة فوق جبل المقطم . وكانت ساقية تدار بالحيوانات ترفع المياه لعشرة أمتار ليتدفق في القناة فوق السور وتسير بطريقة الأواني المستطرقة لتصل القلعة.

فالحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لا تخرج عن نطاق القواعد الإسلامية، ففي العمارة بنى أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي, على نهر دجلة عاصمته بغداد سنة (145- 149 هـ) على شكل دائري، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، لأن مـعظم المدن الإسلامية، كانت إما مستطيلة كالفسطاط، أو مربعة كالقاهرة، أو بيضاوية كصنعاء. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه المدن نشأت بجوار مرتفعات حالت دون استدارتها، ويعتبر تخطيط المدينة المدورة (بغداد)، ظاهرة جديدة في الفن المعماري الإسلامي ولاسيما في المدن الأخرى التي شيدها العباسيون مثل مدينة سامراء وما حوته من مساجد وقصور فخمة، وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والفسطاط والعسكر والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية والجزائر وغيرها.

هناك الكثير من مظاهر حضارة المسلمين التي لا يختلف عليها المنصفون من المؤرخين لتاريخ العلوم والثقافات والحضارات إلا أن المسلمين اهتموا بالإنسان فجعلوا مقاصد الشريعة التي خاطبته والتي يخاطب بها الناس أجمعون وتتجاوز الزمان والمكان في جميع الأحوال خمسة، حفظ النفس : حتى تقوم حية قابلة للخطاب. وحفظ العقل : وعدم الاعتداء عليه بأي تسلط أو إكراه، بل هناك حفظ عليه في أساسه، وحفظ عليه في منهج تفكيره، وحفظ عليه في حريته وإبداعه حتى في مسائل الإيمان.

قال تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)([1]) و(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)([2]) و(فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).([3]) بالإضافة إلى حفظه بتحريم كل مسكر ومفتر قال تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ).([4]) وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر).([5]) وحفظ الدين : فإن الله يحب المتقين والصابرين والمتوكلين والمحسنين ولا يحب المفسدين ولا المتكبرين والخائنين. ويحب ولا يحب دستور الإنسان الحضاري. وحفظ كرامة الإنسان : التي سميت في تراثنا بالعرض.

ولقد أحيط بسياج كبير من الضمانات حرمت الاحتجاز القسري والاعتقال العشوائي والتعذيب للمتهم، وحرمت السب والقذف والاتهام المسبل عن الدليل، وحرمت التفرقة العنصرية بكافة أشكالها وغير ذلك كثير من حفظ حقوق الإنسان في كرامته. واهتم المسلمون بحفظ ملك الإنسان وحرمة الاعتداء على ماله واغتصاب حقه وجعل هذا من الكبائر التي تهدم الاجتماع البشري. ومن كل هذا بنيت الحضارة الإسلامية على مؤسسة القضاء.

وهنا يجدر أن نلاحظ مسألة غاية في الأهمية وهي أن الحقوق في الشريعة الإسلامية قد تحولت إلى واجبات  فأصبحت واجبات يجب أن يحصلها وإلا يكون آثمًا في التخاذل عنها، فلم يعد الإنسان محتاجًا إلى استجدائها ومنتظرًا للآخرين أن يقرُوها بل إن أصل خلقه وتكليفه قائم عليها،  ويجب عليه ذلك.

ومن هنا اختلط على كثير من الناس تصنيف حضارة المسلمين أنها حضارة واجبات أدت إلى الديكتاتورية والتسلط وأن حضارة الغرب حضارة حقوق والأمر ليس كذلك بل الحضارة الإسلامية التي جعلت الدين أساسها ومنطلقها كانت حضارة حقوق وصلت إلى حد الواجبات.([6])

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]) البقرة : 256

[2]) الكافرون : 6

[3]) الكهف : 29

[4]) البقرة : 219

[5])- أحمد وأبو داود

[6]) مراجعة بحث عن مظاهر الحضارة الإسلامية موسوعة ويكبيديا

مفهوم الحضارة

الحضارة مشتقة من الـحُضُورُ : نقـيض الـمَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُوراً

وحِضارَةً. ويقال : رجل حَضِرٌ إِذا حَضَرَ بخير. والحَضَرُ: خلاف البَدْوِ. و الحاضِرُ: خلاف البادي. والـحاضر: المقيم فـي المُدُنِ والقُرَى، والبادي: المقيم بالبادية. ويقال: فلان من أَهل الـحاضرة وفلان من أَهل البادية، وفلان حَضَرِيٌّ وفلان بَدَوِيٌّ.

والـحِضَارَةُ: الإِقامة فـي الـحَضَرِ؛ عن أَبـي زيد. وكان الأصمعي يقول: الـحَضارَةٌ، بالفتـح؛ قال القطامي:

فَمَنْ تَكُنِ الـحَضارَةُ أَعْجَبَتْه                فأَيَّ رجالِ بادِيَةٍ تَرانَا.

ورجل حَضِرٌ: لا يصلـح للسفر. وهم حُضُورٌ أَي حاضِرُونَ. والـحَضَرُ و الـحَضْرَةُ و الـحاضِرَةُ: خلاف البادية، وهي الـمُدُنُ والقُرَى والرِّيفُ، سميت بذلك لأن أهلها حَضَروا الأمصارَ ومَسَاكِنَ الديار التـي يكون لهم بها قرارٌ.

وهي ترجمة للفظة الإنجليزية "Civilization"، والتي يعود أصلها إلى عدة جذور في اللغة اللاتينية؛ "Civilties" بمعنى مدنية، و"Civis" أي ساكن المدينة، و"Cities" وهو ما يُعرف به المواطن الروماني المتعالي على البربري. ولم يُتداول الاشتقاق "Civilization" حتى القرن الثامن عشر، حين عرفه دي ميرابو في كتابه «مقال في الحضارة» باعتباره رقة طباع شعب ما وعمرانه ومعارفه المنتشرة بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة.

ويبدو أن ما عناه غالبية من استخدموا الكلمة لأول مرة هو مزيج من الصفات الروحية والخلقية التي تحققت على الأقل بصورة جزئية في حياة البشر في المجتمع الأوربي؛ وقياسًا على ذلك تجيء التعريفات لمفهوم "Civilization"، فمثلاً يعرفه وول ديورانت بأنه "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، ويتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون».([1])

ولم يمنع ذلك حدوث تداخل كبير في تناول الفكر الأوروبي لمفهوم "Civilization"، فهناك من جعل المفهوم مرادفًا لمفهوم الثقافة، وهناك من جعله قاصرًا على نواحي التقدم المادي مثل أصحاب الفكر الألماني، وهناك من جعله شاملاً لكل أبعاد التقدم مثل المفكرين الفرنسيين.

وبملاحظة التعريفات المقدمة لمفهوم «الحضارة» نلحظ أنها هي نفسها التعريفات التي وضعت إزاء «المدنية»، فالخلاف لفظي والمحتوى واحد وهو المضمون الأوروبي. فعادةً، يربط مفهوم الحضارة إما بالوسائل التكنولوجية الحديثة، أو بالعلوم والمعارف والفنون السائدة في أوروبا، أي خلاصة التطور الأوروبي الحالي. وينطلق هؤلاء من أن الحضارة هي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي والعلمي والفني الموجود في المجتمع، وأنها تمثل المرحلة الراقية في التطور الإنساني.

ويختلف الباحثون حول تحديد الجذر اللغوي لكلمة «المدنية» فيرجعها البعض إلى «مدن» بمعنى أقام في المكان، ويرجعها آخرون إلى «دان» وهي جذر مفهوم الدين وتعني خضع وأطاع، وأيًّا كان مصدرها فقد اقترن اللفظ بتأسيس الدولة الإسلامية، وارتبط بمفهوم الدين بما يعنيه من دلالات الطاعة والخضوع والسياسة، ولقد ارتبطت المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بنظام مجتمعي حياتي وتنظيمي جديد في الجزيرة العربية ارتكز على القيم الإسلامية والمبادئ التنظيمية المنبثقة عنها.

وعلى خلاف التجربة الغربية، فالمدينة في الخبرة الإسلامية هي نتيجة لوجود قيم التهذيب والعلاقات الاجتماعية والسياسية في الدين الإسلامي، وليست سببًا فيها. ومن ناحية ثانية، فقد بدأت المدينة في الخبرة الإسلامية مما انتهت عليه المدينة في التجربة الأوروبية «مرحلة المتروبوليتان»، أي المدينة التي تتبعها مدن أخرى وترتبط بها؛ فقد كانت المدن الإسلامية جميعها حواضر راقية تتبعها مئات المدن الأخرى المنتشرة في الإمبراطورية الإسلامية.

فلم يميَز الغربيون بين الحضارة والمدنية، لقد استخدمها (وول ديورانت) وهو مؤلف (قصة الحضارة) بمعنى واحد، وقصدوا بها التقدم العلمي والتقني والرُقي الذي وصلت إليه المجتمعات و الاختراع والتفكير والتنظيم والعمل على استغلال الطبيعة للوصول إلي مستوى أفضل للحياة وهي حصيلة جهود الأمم كلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1])- راجع بحث الحضارة المدنية .. اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات د. نصر محمد عارف نشر على موقع إسلام أون لاين.

حق المرأة في اختيار زوجها ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في حق اختيار كل منهما للآخر، ولم يجعل للوالدين سلطة الإجبار عليهما؛ فدور الوالدين في…
شهادة المرأة المسلمة ورد الشبه حولها الشهادة في اللغة تعني : الخبر القاطع, والحضور والمعاينة والعلانية, والقسم, والإقرار, وكلمة التوحيد, والموت في سبيل الله. وفي…
ميراث المرأة بين الحقائق والافتراءات لا بد علينا أن نعلم ما هو الإرث ؟ وماذا تعني هذه الكلمة في اللغة وفي الشرع فالإرث في اللغة…
المرأة في الحضارة الإسلامية: نماذج حضارية (٢) يشهد التاريخ الإسلامي بتولي المرأة العديد من المراكز القيادية في المجتمع الإسلامي، فكما تولت المرأة منصب الحاكم، تولت…