طباعة

كونوا ربانيين

الأحد, 14 كانون1/ديسمبر 2014     كتبه 

1- أسماء الله الحسنى في الإسلام يمكن أن نبني عليها مجموعة كبيرة جدا من الأخلاق الربانية السامية، ونحتاج إلى معرفة خريطة لأسماء الله الحسنى وأقسامها، وعدد الأسماء التي سمى الله بها نفسه في القرآن الكريم 152 اسما، وعدد الأسماء التي أطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الله سبحانه وتعالى نحو 164 اسما، ومع حذف المكرر من هذه الأسماء ينتج عندنا 220 اسما في الكتاب والسنة.

2- أسماء الله الحسنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول : هو قسم الجمال مثل الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف. والقسم الثاني : هو قسم الجلال مثل الجبار المنتقم المتكبر شديد المحال العظيم. والقسم الثالث : مثل لفظ الجلالة ومثل الأول الآخر، الظاهر الباطن، الضار النافع، المعطي المانع.

3- إن علاقة الإنسان بكل قسم من هذه الأقسام تختلف، فبالنسبة لقسم الجمال العلاقة هي التخلق، على حد قول الصالحين وهم يفسرون قوله تعالى : ﴿كونوا ربانيين ﴾ [آل عمران :79]  أي « تخلقوا بأخلاق الله» وهي مقولة شاعت على ألسنة الصالحين، وليست بحديث نبوي كما توهمه بعضهم، وفضل بعض العلماء أن نقول تعبدوا بأخلاق الله، بدلا من تخلقوا؛ لأن الإنسان إذا أراد الثواب والرضا من الله فإنه لابد وأن يحسن النية وأن يفعل هذا لوجه الله مخلصا له الدين، قال تعالى : ﴿مخلصين له الدين﴾ [البينة :5] وقال صلى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [رواه البخاري ومسلم].

أما التعامل مع القسم الثاني، وهو قسم الجلال فيكون بالتعلق حيث نهانا الله عن التكبر، والتعظم، وقال في الحديث القدسي العظمة : « العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه]. أما التعامل مع القسم الثالث، وهو الكمال فذلك يكون بالإيمان والتصديق.

4- ولفظ الجلالة هو الجامع لكل هذه الأسماء والصفات والمعاني، وهو لفظ جليل ليس في كل اللغات لفظ يدل على الخالق أعظم منه، فمن عجائبه أنه يدل على الله بكل حروفه، فلو حذفنا الألف بقي من الكلمة «لله» ولو حذفنا اللام الأولى أيضا بقي له «له» ولو حذفنا اللام الثانية أيضا بقي الضمير هو «هو» وعلى كل حال يدل ذلك على الله على الخالق جل جلاله، وهذه خاصية عجيبة لا توجد في «ديو» الفرنسية، و«god» الإنجليزية، و«خداي» الفارسية، ونحوها.

5- والرحمة صفة من صفاته تعالى ولها من الأسماء الرحمن الرحيم. كيف نحول الرحمة إلى تعاملاتنا مع أنفسنا، ومع أهلنا، ومع زملائنا، ومع جيراننا، ومع الكون ؟ كيف نكون رحماء بالإنسان، وبالحيوان، وبالنبات، وبالجماد ؟ كيف نحول الرحمة إلى مؤسسات ؟ كيف نحول الرحمة إلى مناهج علمية ؟ كيف نحول الرحمة إلى حياة معيشة ؟ فكر فإن هذه الأسئلة قد فكر فيها المسلمون وحاولوا أن يوجدوا لها إجابة واقعية في حياتهم، وأن ينفذوها، ولم يقفوا عند حد الإيمان بها.

6- فالرحمة مع أنفسنا في تعاملاتنا نراها في قوله تعالى : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة :286] ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا،  وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه» [رواه البخاري ومسلم] ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق» [رواه أحمد في مسنده] وفي قوله : «هلك المتنطعون» [رواه مسلم] أي المتشددون الذين يظلمون أنفسهم، ومن ظلم النفس أيضا المعصية، يقول ربنا : ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف :160] فمن الرحمة بالنفس البعد عن المعصية، والرحمة بالأهل نراها في قول عائشة وهي تصف الرسول صلى الله عليه وسلم ك «كان في مهنة أهله» وفي قول أنس : «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشرة سنين فما قال لي أف ولا لم صنعت، ولا ألا صنعت» [رواه البخاري] وفي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [رواه ابن حبان في صحيحه].

7- ويحقق الإنسان الرحمة بالأهل والزملاء والجيران بتأصيل خلق الرفق الذي هو مظهر من مظاهر الرحمة، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» [رواه مسلم].

فمن حرمه الله الرفق فلا خير فيه، وهو محروم من كل الخير، لأن الرفق باب الخير، ولذا نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ذلك فيقول : « من يحرم الرفق يحرم الخير كله» [رواه مسلم]، وأخبر بذلك السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال صلى الله عليه وسلم : « يا عائشة إنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خير الدنيا والآخرة» [رواه أحمد]. وعنه صلى الله عليه وسلم في توصيته للسيدة عائشة رضي الله عنها : « ارفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم على باب الرفق» [رواه أحمد].

وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم الرفيق اللين السهل بالنجاة من النيران، فقال صلى الله عليه وسلم : « تدرون من يحرم على النار يوم القيامة كل هين لين سهل قريب حديث تدرون على من تحرم النار على كل هين لين سهل قريب» [رواه الترمذي]، وكان في دعاءه صلى الله عليه وسلم يطلب الرفق لمن رفق بأمته، فكان يقول : « ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» [رواه مسلم].

8- وتتحقق الرحمة بالكون بأن يعلم الإنسان أنه يسبح لله، قال تعالى : ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء : 44]، ويسجد كذلك لله سبحانه وتعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج : 18]، وهو كذلك يدل على الله في كل مخلوقاته، حتى قال أبو العتاهية :

وفي كل شيء له آية
0

**

تدل على أنه واحد
0

ويحقق الإنسان الرحمة بالكون بأن يعبد الله وحده فينسجم مع الكون ويوافقه، فلا ينفر منه ولا ينفر الكون منه، فالكون كله يسير في طاعة الله طوعًا أو كرهًا. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) [الرعد : 15]. (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت : 11].

9- ويحقق الإنسان الرحمة بالحيوان والنبات والجماد بالاستجابة إلى جملة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الشأن حيث يقول  : في شأن الحيوان فعن عبدالله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «ما من إنسان قتل عصفورًا فما فوقها بغير حق إلا سأله الله عز وجل عنها». [رواه النسائي في سننه] وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها ولا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» [أخرجه البخاري ومسلم]

وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خُفَّهُ ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له» قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر» [أخرجه البخاري ومسلم].

وعن عبدالله بن مسعود قال: رأى رسول الله ﷺ من أخذ طائر فرخه الصغير فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها». [رواه أبو داود في سننه]

وفي شأن الجمادات فروى أبي بن كعب رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» [رواه الترمذي].

وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الريح من روح الله: وروح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرها» [رواه أبو داود].

ويروي طلحة بن عبيدالله رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ وكان إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهلله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله» [رواه الترمذي]

وقال رسول الله ﷺ: «أكرموا الخبز» [رواه البيهقي في الشعب والحاكم في المستدرك]، وقال ﷺ: «أحد جبل يحبنا ونحبه» [رواه البخاري]

هذه جملة من الأحاديث في التفاعل والتعامل مع الجماد والنبات والحيوان من مئات بل آلاف الأحاديث حول هذا المعنى تبين عمق العلاقة بين المؤمن وما حوله من أكوان وتبين حقوق هذه الأكوان على الإنسان في أحكام تفصيلية تأمره بأن يفعل وتنهاه أن يأثم وكل ذلك دائر على الرحمة والرفق والحفاظ على خلق الله والتفاؤل وعدم التشاؤم

وقد تأثر المسلمون عبر العصور بهذه النصوص النبوية الشريفة فتراهم وضعوا مساقي للكلاب الضالة في شوارع المدن الإسلامية وتعبدوا بتنظيفها لهذه الحيوانات الضعيفة.

وأنشأوا مبرات للبيطرة وصيروها علما لتخفيف الألم عن الحيوان وهذا موضوع وصل من الاتساع والتشعب حتى إنه يصلح لرسالة علمية متوسعة مستقلة.

10- وتكون الرحمة في المؤسسات، بأن يسعى المجتمع المسلم لتوفير المؤسسات التي ترفق بالإنسان في حالاته مرضه وضعفه، فالاهتمام بالمستشفيات ومعاملة المريض معاملة حسنة ومراعاة حالته النفسية من الرحمة التي لابد وأن نفعلها في المستشفيات. كذلك العمل على تأهيل الملاجئ للأيتام ورعايتهم وإعدادهم بالشكل الجيد. والرحمة تكون في المؤسسات لرعاية كبار السن، وهو ما يعرف بدار المسنين، ولا أعني بدار المسنين أن يذهب كبير السن وينتزع من أهله وأبنائه ويلقى به في تلك الدار لكبر سنه، وإنما أقصد كبار السن الذين فقدوا العائل وفقدوا الرعاية، فمن الرحمة أن تكون هناك مؤسسات ترعاهم وتعمل على راحتهم والعناية بهم.

11- وتحقيق الرحمة في المناهج العلمية، بأن يستحضر المسلم الرحمة في الابتكارات والآلات والأدوات التي يحتاجها في شئونه اليومية، كما كان ذلك بارزا في حضارتنا وموروثنا، فنجد هذه الأداة التي ندفع بها الذباب مصنوعة من شعر الخيل، والدفع بها إما أن يبعدها وهو الغالب، وإما أن يقتلها ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الحشرة تريبة وفي موضع معين. في حين أن الأداة التي عند الآخرين صنعت من بلاستيك -وقد شاعت فينا لما تركنا فلسفة حضارتنا وأنها كانت حضارة رحيمة بالإنسان والأكوان- وهذه الأداة الأخرى تقتل مباشرة، وأداتنا عند القتل لا تحطم الجسد وهذه تحطم الجسد تحطيما شديدًا، وأظن الأمر على بساطته يحتاج إلى مراجعة شاملة.

12- والرحمة بذلك كله، وباستحضارها في اليقظة والمنام، وفي المعاملات مع من حولنا تتحول إلى حياة معيشة، وسمة حضارية تشيع الهدوء والاستقرار النفسي على الأرض، نسأل الله أن يرزقنا الرحمة، ويرحمنا برحمة الواسعة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عدد الزيارات 5364 مرة
قيم الموضوع
(3 أصوات)