طباعة

التأصيل الحضاري للتشريع الإسلامي: الإفتاء

الأحد, 25 كانون2/يناير 2015     كتبه 

اهتم علماء الإسلام بعملية الإفتاء اهتماماً عظيماً، وجعلوها في مكانة عالية لعظمة دورها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى هذا المنصب في حياته، باعتبار التبليغ عن الله، وقد تولى هذه الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم، فالمفتى خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء وظيفة البيان، وشبّه «القرافي» المفتى بالترجمان عن مراد الله تعالى.

وعملية الإفتاء خطوة منفصلة من خطوات الاجتهاد، فبعد أن يحدد المجتهد الحجة، وهي القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم يوثقها بصورة لم تتكرر في حضارة من الحضارات البشرية، ثم يفهمها ويعيها بين مفهومي الإطلاق والنسبية، يأتي دور عملية الإفتاء، ولهذا فرّق العلماء بين الفقيه والمفتي، فالأول يستنبط أحكام الله تعالى من الأدلة التفصيلية، وتلك الأحكام تحقق مقاصد الشريعة الكلية، أما الآخر فهو يدرس الواقع ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله تعالى في مثل هذه الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة.

وبناء على هذا التعريف، يتبين أن صناعة الإفتاء من العلوم المعقدة التي تحتاج إلى حرفية خاصة للقيام بها وإصدارها في صورة صحيحة، وتعد عملية صياغة الفتوى من أعقد العناصر في هذه الصناعة، حيث تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربع مراحل أساسية، تخرج بعدها في صورتها التي يسمعها أو يراها المستفتي، وهذه المراحل الأربع هي: مرحلة التصوير، ومرحلة التكييف، ومرحلة بيان الحكم، ومرحلة الإصدار، وفيما يلي بيان لهذه المراحل:

المرحلة الأولى.. مرحلة التصوير:

وفيها يتم تصوير المسألة من قبل السائل الذي يريد أن يستفتى في واقعة نزلت به أو بغيره، والتصوير الصحيح المطابق للواقع شرط أساسي لصحة الفتوى ومطابقتها للواقع الفعلي المسؤول عنه، فعدم صحة التصوير يؤدي إلى أن الفتوى الصادرة ستكون لما فهم من السؤال وليس لما هو في الأمر نفسه، وعبء التصوير أساساً يقع على السائل، لكن المفتى ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال عن الجهات الأربع التي تختلف الأحكام باختلافها، وكثيراً ما يتم الخلط والاختلاط من قبل السائل بشأنها، وهي: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، كما ينبغي على المفتي أيضاً أن يتأكد من تعلق السؤال بالأفراد أو بالأمة، لأن الفتوى تختلف باختلاف هذين الأمرين.

والتصوير قد يكون لواقعة فعلية وقد يكون الأمر مقدراً لم يقع بعد، وحينئذ لابد من مراعاة المآلات والعلاقات البينية، وبقدر ما عند المفتي من قدرة على التصوير بقدر ما تكون الفتوى أقرب لتحقيق المقاصد الشرعية وتحقيق المصلحة ودرء المفسدة.

وقد نص الغزالي في كتاب «حقيقة القولين» - كما أورده السيوطي في «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» - على أن وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين في نفسه، بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف بوضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه، ولم يخطر بقلبه تلك الصور أصلاً، وإنما ذلك من شأن المجتهدين.

المرحلة الثانية.. مرحلة التكييف:

والتكييف هو إلحاق الصورة المسؤول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله، فنكيف المسألة مثلاً على أنها من باب المعاملات لا العبادات، وأنها من باب العقود، وأنها من قسم مسمى منها أو من العقود الجديدة غير المسماة، وهذه مرحلة تهيئ لبيان حكم الشرع الشريف في مثل هذه الواقعة، والتكييف من عمل المفتي، ويحتاج إلى نظر دقيق، لأن الخطأ فيه يترتب عليه الخطأ في الفتوى، والتكييف قد يختلف العلماء فيه، وهذا الاختلاف أحد أسباب اختلاف الفتوى، والترجيح بين المختلفين حينئذ يرجع إلى قوة دليل أي منهم، ويرجع إلى عمق فهم الواقع، ويرجع إلى تحقيق المقاصد والمصالح ورفع الحرج، وهي الأهداف العليا للشريعة.

المرحلة الثالثة.. مرحلة بيان الحكم:

والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ويؤخذ هذا من الكتاب والسنة بالإجماع، ويتم إظهاره أيضاً بواسطة القياس والاستدلال، ويجب على المفتى أن يكون مدركاً للكتاب والسنة ومواطن الإجماع وكيفية القياس ودلالات الألفاظ العربية وترتيب الأدلة وطرق الاستنباط، وإدراك الواقع إدراكاً صحيحاً، ويتأتى هذا بتحصيله علوم الوسائل والمقاصد كالأصول واللغة والفقه والحديث ونحوها، وبتدريبه على الإفتاء الذي ينشئ لديه ملكة راسخة في النفس يكون قادراً بها على ذلك، وكذلك تحليه بالتقوى والورع والعمل على ما ينفع الناس.

المرحلة الرابعة.. إصدار الفتوى:

وهي ما تُسمى مرحلة التنزيل، أي إنزال هذا الحكم، الذي توصل إليه المفتي على الواقع، وحينئذ لابد عليه من التأكد أن هذا الذي سيفتي به لا يكر على المقاصد الشرعية بالبطلان، ولا يخالف نصاً مقطوعاً به ولا إجماعاً متفقاً عليه ولا قاعدة فقهية مستقرة، فإذا وجد شيئاً من هذا فعليه بمراجعة فتواه حتى تتوفر فيها تلك الشروط. هذه هي المراحل الأربع لصياغة الفتوى، وهذا عرض موجز لها لتبسيط مفهومها للقارئ، ويجب الإشارة إلى أن الاختلاف بين المجتهدين في صياغة الفتوى قد يقع في أي مرحلة من هذه المراحل، فقد يختلف المفتون في عملية التصوير، مما يترتب عليه اختلاف فتواهم في المسألة نفسها، وقد يقع الاختلاف عند التكييف أو بيان الحكم أو حتى في المرحلة الرابعة الخاصة بإصدار الفتوى، وكان في اختلافهم رحمة للمسلمين، بل إن هذا الاختلاف هو ما جعل التشريع الإسلامي إطاراً لحضارة عالمية لم تر البشرية لها مثيلاً، فهي حضارة باقية بقاء التاريخ ولديها من المنهجية والأسس المعرفية ما يؤهلها للريادة العالمية في كل زمان ومكان.

عدد الزيارات 5351 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)