طباعة

رحيل حسين الشافعي

        رحل عن عالمنا يوم الجمعة الماضي 16 شوال 1426 الموافق 18 نوفمبر سنة 2005، إلى رحمة الله تعالى السيد/ حسين الشافعي، وهو من جيل الآباء الذين ضربوا مثلاً صالحاً لخدمة وطنهم، فكان أسوة لشبابنا يجب عليهم دراستها والاستفادة بها واستخلاص الصفات التي  يمكن للشاب لهم أن يتخلق بها ليكون معمرًا لكونه نافعًا لنفسه، مفيدًا لمجتمعه ووطنه؛ حيث أدى السيد/ حسين الشافعي -رحمه الله تعالى- عملا وطنيا في مجال السياسة توخى فيه مصلحة البلاد والعباد، وفي نفس الوقت شارك في العطاء الديني ولم يقتصر على الجانب السياسي.

1- تمثل عطاءه السياسي في مكافحة الاستعمار، فاشترك في تنظيم الضباط الأحرار الذي كان يهدف أول ما يهدف إلى تحرير البلاد من المحتل، وكنا –في هذه الأيام- نظن أن عهد الاستعمار قد مضى، وأننا قد دخلنا في عصر تركت القوى العسكرية الكبرى فكرة احتلال أرض الآخرين بواسطة الجيوش، وأنهم استبدلوا بذلك الاستعمار الثقافي والسياسي والفكري والاجتماعي في محاولة منهم لفرض الحضارة ذات الجانب الواحد على خلق الله أجمعين، وفي محاولة للهيمنة والسيطرة على موارد البلاد المستغلة الطبيعية كالبترول، والقطن، وكنا نقاوم هذه الأنواع من الاستغلال الذي هو بديل عن الاستعمار العسكري، وكانت هذه المقاومة تدل -ولا تزال- على حياة الأمة وعلى رفضها لذوبان الهوية ولعدم مشاركتها في بناء الحضارة الإنسانية، ولرفضها قهر هيمنة حضارة على حضارة.

حتى عاد مرة أخرى الاستعمار في صورته العسكرية مما يحتاج معه إلى تنظيم الضباط الأحرار مرة أخرى، ذلك التنظيم الذي نجح في مصر، وكان مثالا يحتذى لحركة التحرير في العالم كله، ولم تشغل مصر حينئذ نفسها بالآخرين، بقدر ما شغلت نفسها بالبناء الداخلي، فكانت مثالاً مؤثرا في العالم كله، وكان السيد / حسين الشافعي أحد أولئك الرواد الأوائل البناة لهذا المثال المؤثر في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.

فعلى الرغم من أن تنظيم الضباط الأحرار مر عليه أكثر من ستين عامًا إلا أنه ما زال صالحًا للدرس والاستفادة منه في حالتنا المعاصرة التي رأينا فيها جيوش الدول وقد حدث لها شيء من الهستريا تحتل العراق هذا الاحتلال الذي حولها إلى بحر من الدماء وإلى نزيف مستمر نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقفه.

2- والسؤال في هذا الجانب ما العناصر التي اتصف بها السيد / حسين الشافعي، ذلك الرجل الذي كان يحب الله ورسوله، بحيث نجح مع إخوانه في تحقيق مرادهم من التحرير والتغيير، دون اشتراك في قتل الوطنيين، وفي ثورة تكر على المسلمين بالدم ؟ وكيف جمع بين نشاطه هذا، وبين تدينه فكرًا وعملاً ؟ فقد كان محافظا على الصلوات الخمس، وعلى صيام رمضان، وعلى حج البيت، وكان فكره ناضجًا في تعامله مع النصوص الشرعية، ومع المفاهيم الإسلامية، ونراه في مقالته الأسبوعية بجريدة الأسبوع، يتكلم عن عناصر ذهنه الديني، وكيف يفهم النصوص ويتعامل مع المفاهيم بصورة هادئة تريد أن تخرج من دائرة النظر إلى دائرة العمل من غير إفراط ولا تفريط، فجمع هذه المقالات وتحليلها والاستفادة منها عاد أمرًا واجبًا لذكراه، فإذا وضع ذلك مع نشاطه السياسي، ومع نتاجه الفكري الذي ظهر في عدة كتب لكان درسًا متكاملا لنموذج رجل نحتاج أن يتكرر حتى نخرج من هذا الضجيج الذي نعيش فيه.

3- وقد حضرت يوم الثلاثاء الماضي 12 شوال 1426 الموافق 15 نوفمبر 2005 مؤتمرًا في جامعة آل البيت بالأردن تحت عنوان (المذاهب الإسلامية) يسعى فيه المؤتمرون إلى السير في طريق اعتماد المذاهب المعمول بها بين المسلمين، وإزالة الحساسيات العصبية التي تكون بين أتباع تلك المذاهب، والقضاء على فكرة تكفير أهل القبلة (أي المسلمين الذين يتوجهون جميعا إلى قبلة واحدة وهي الكعبة المشرفة) على أن تفجيرات (عمان) قد ألقت بظلالها على المؤتمر باعتبارها تصرفات حمقاء، تلك التي يمارسها المكفرون بدعوى أنهم لابد أن ينالوا من أعداء الله؛ فإذا بهم يقتلون أكثر من 50 مسلمًا لم يكن فيهم أحد من غير المسلمين وكأنهم يأملون بذلك أنه من خلال قتل 50 مسلمًا سوف يتوصلون إلى قتل واحد أو اثنين من غير المسلمين.

        وذكرني رحيل السيد / حسين الشافعي بالمقارنة بين المقاومة الحمقاء، والمقاومة الشريفة، وتذكرت قول الشاعر :

لكل داء دواء يستطب به              **          إلا الحماقة أعيت من يداويها

        ومن هنا بدأت المقارنة الذهنية بين البيئة التي تربى فيها السيد حسين الشافعي، فأنتجت هذا الفارس النجيب، والتي كانت خالية من فكرة التكفير، وبين البيئة التي تربى فيها هؤلاء والتي كان أساسها التكفير، ويتبين من ذلك مدى أهمية هذه المسألة، وأنها قد تكون هي المرتكز الأهم في القضاء على هذه الفوضى التي نراها هنا وهناك.


وتذكرت حينئذ كيف أن بناء الإنسان وتربيته السابقة قبل حدوث الحوادث ونزول النوازل هو الذي يحدد مصير الأمم، وأننا لابد علينا من الاهتمام بالتربية التي تنشئ الوعي في أذهان شبابنا، فيحسن التعامل مع الواقع، ويحسن التصرف في المهمات والأزمات، فيفكر الشاب قبل أن ينشط، ويتدبر قبل أن يفعل، فإذا نشط وفعل فإنه يكون على الصراط المستقيم، فيحقق النتائج بلا خسائر أو بأقلها إذا اقتضى الأمر.
4- وفي يوم السبت الماضي 19/11/2005 حضرت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي التي نظمته جامعة الدول العربية بدعوة كريمة من السيد / عمرو موسى أمين الجامعة، وهو المؤتمر الذي يدلنا ويذكرنا على الحالة التي نعيشها في العالم العربي والإسلامي، والتي تعيشها كرة الأرض، يذكرنا بوضعية الشرعية الدولية، ويذكرنا باختلال المصطلحات والمفاهيم، ويذكرنا بالظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكيف أن الطغيان يولد التطرف، وأن العدوان يولد الإفراط ويختل الميزان حتى في أيدي المعتدلين، فما بالك بغير المعتدلين.

ويدعو القرآن الكريم من خلال أسماء الله الحسنى المسلمين إلى أن يتخلقوا بأسماء جماله، وأن يتعلقوا بأسماء جلاله سبحانه وتعالى، فيجب عليهم أن يتأملوا وأن يتدبروا معنى الحمد الذي بدأ الله به فاتحة الكتاب، ومعنى الصبر الذي ذكره الله في كتابه، وأمر به أن يكون صبرًا جميلاً، من أجل أن نتخلق به نحن، ومعنى العفو والصفح، ومعنى القوة والعبادة والعمارة والتزكية، حتى يخرج من هذا التدبر والتأمل بمنهج تربوي كان شائعًا تربى عليه ذلك الفارس النبيل السيد / حسين الشافعي رحمه الله تعالى. يارب.

عدد الزيارات 5986 مرة آخر تعديل على الجمعة, 05 كانون1/ديسمبر 2014 22:29
قيم الموضوع
(0 أصوات)