طباعة

المؤسسة الدينية في مصر 2-5

لقد كان هناك هجوم عنيف على المؤسسة الدينية في مصر آخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. اذكر منها مواقف طريفة  تدل على ما وراءها إلا أن المؤسسة الدينية ظلت تقوم بدورها الديني والاجتماعي، وظل أيضا بعضهم يهاجمها دون إدراك لبقائها وازديادها وتوسعها، ودون إدراك أن ما ينتقد به المؤسسة الدينية مبني على الانطباع والأخبار، وليس على إدراك صحيح للواقع أو تحليل مستنير له، مما جعل اليوم أشبه بالأمس (وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) [الرعد :17].

1- فبعد ما فصل محمد علي باشا المؤسسة الدينية عن الحياة المدنية وتخلص من عمر مكرم، وأرسل البعثات إلى فرنسا للدخول في مفهوم الدولة الحديثة وجعل هناك التعليم الموازي فأصبح لدينا تعليم مدني وتعليم ديني. وبغض النظر عن الآراء التربوية والآثار الاجتماعية حول ازدواجية التعليم فإن هذا الوضع باق إلى يومنا هذا مع كثير من الحلول التي طبقت، والتي يمكن أن نعالجها فيما بعد، فأقول إنه بعدما فعل محمد علي هذا وحدث بعد ذلك الاحتلال الإنجليزي بما ترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية، فإننا نرى هجوما شرسا على الإمام محمد عبده وكانت هناك جريدة (حمارة منيتي) تهاجم الإمام في جل أعدادها حتى كان بائع الجرائد ينادي عليها ـ كما أخبرنا بذلك مشايخنا الذين شاهدوها شفاهة ـ على باب المزينين بالأزهر، وعند خروج الشيخ وتلامذته من درسه : (المفتي والحمارة) فكان الشيخ يبتسم ويعطيه جنيها ذهبيا ليشتري منه جريدة لا يزيد ثمنها على عدة ملاليم، ويسكت الرجل حتى ينتهي من صرف الجنيه ذلك الثروة الكبيرة حينئذ، وبعد شهر أو شهرين يعاود النداء فيقول له الشيخ : هل نفد المال ؟ ويعطيه جنيها آخر مبتسماً؛ ولأن الشيخ وعلى الرغم من صداقته بالخديوي إلا أنه رفض استبدال وقف له بدون مقابل وهاجت الصحف على الشيخ محمد عبده، فأين ذهبت ؟ وهل يسمع الناس بها ؟ وظل محمد عبده إماماً له مدرسة في التجديد والإصلاح لا يزال الناس يذكرونها ويحتفلون بها حتى يومنا هذا ونحن نحتفل بمرور مائة عام على وفاته.

2- ويذكر أحمد أمين في كتابه الماتع (حياتي) كم لاقى من عنت من الناس من جراء لبسه للزي الأزهري وهو صغير، ويصف كيف يعتدي عموم الناس على العلماء حتى وهم يسيرون في الطريق، وتظل المؤسسة الدينية صابرة محتسبة لوجه الله تعالى لا تريد من الناس جزاء ولا شكورا حتى قيام ثورة 1919، فإذ بالجميع يرجع إلى الصدر الحنون الذي ثار مرتين في وجه الفرنساوية المحتلين من قبل، وقتل أحد أفراده ساري عسكر كليبر، وأسلم الثالث في القيادة مينو (عبد الله مينو) وتزوج من زبيدة البكري، وفي ثورة 1919 نسي عموم الناس موقفهم من المؤسسة الدينية، ونسيت المؤسسة الدينية موقف الناس منها وعادت ملتحمة معهم.

3- وإذا قرأنا الأعمال الكاملة لبيرم التونسي رأينا سباً ولعنا للشيخ محمد بخيت المطيعي في ألفاظ جارحة لا أظن أنني قادر على ذكرها هنا، ورأينا سباً ولعناً للأزهر ومشيخته، لا أظن أنني قادر أيضا على ذكره لخروجها عن حد الأدب ومخالفتها للنظام العام والآداب بما يشكل جريمة خدش الحياء، فلتراجع هناك، ولكن ماذا كان بعد ذلك ؟ كان أن تاب بيرم التونسي وأعلن توبته صريحة ولم يجعل في حل من يروي عنه ما سبق به لسانه وفارت به نفسه من قبل، ومن تاب تاب الله عليه حتى إنه أنشأ في ذلك رائعته التي غنتها أم كلثوم (نداني لبيته لحد باب بيته) وكانت توبة صدوقة رجع فيها بيرم إلى ربه وإلى مجتمعه، بل وإلى دينه وختم له بالسعادة.

4- وبأسلوب آخر نرى منتقدين للمؤسسة الدينية ونخص منهم من عرف بالوطنية أو الإصلاح أو الفكر المستقيم، ونترك من لم يتصف بهذه الصفات؛ لأنه لا كلام لنا معه أما أولئك المخلصون فكلامهم قد خرج منهم ابتغاء الإصلاح لا الإثارة، والنفع لا الضر، ومناقشتنا لأرائهم إنما هي للوصول إلى ما يفيد الناس في حاضرهم ومستقبلهم.

نشر الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة في عموده يوم الخميس 14/7/2005 في جريدة الأهرام ما نصه : (وفي اعتقادي أن علماء المسلمين أو بعبارة أخرى فقهاء السلطة في العالم الإسلامي لم يعودوا مؤهلين للتصدي للتحريف والتجريف الذي يطال الإسلام. وبعد أن اندمجت المؤسسات الإسلامية في أجهزة الدولة أحجم المسلمون عن الاستماع لفتاواهم، ولم تعد استنكاراتهم للتطرف باسم الدين تجد آذانا صاغية. وحين تصدر المؤسسة الدينية فتاواها بحسب الطلب تلبية لأغراض سياسية، فإنها تحدث من البلبلة ما يهوي بمصداقيتها إلى الحضيض.

والكلام قد يكون صدر من قلب مهموم بهم المسلمين وهم الناس، ولكنه له مردود يجب أن ننبه إليه؛ لأنه يستغل في غير ما هو له، ويجب أن نقف جميعا ضد هذا المردود بما فينا الكاتب نفسه. هل ما في اعتقاد الكاتب واقع فعلا ً؟ هيا بنا نعالج المسألة من والواقع لا من الانطباع والقرارات المسبقة.

5- عبر التاريخ الإسلامي ظهرت فرق كثيرة في المشرق والمغرب انحرفت عن الجادة وأرجفت وأسالت الدماء، وكان علماء المسلمين هم الحصن الذي تحطم عليه هؤلاء لسببين، الأول : هو أن كلامهم مبني على المنهج العلمي السليم. والثاني : هو أن كلام أهل الأهواء والبدع مخالف للفطرة السليمة، كما أنه مخالف لسنة الله في خلقه، وعلى مر العصور لم تهدأ هذه الانحرافات ولم تنته ولن تنتهي وهذا ليس من فشل العلماء جميعا كما يظن الكاتب، ولا أن العلماء فقهاء السلطان، ولا أن الدين لا يقول شيئا في السياسة، ولا أن الدولة تستعمل العلماء في مواقف سياسية كل ذلك تفسير قاصر للقضية برمتها.

بل إن هذا الانحراف جاء من الخروج عن المرجعية، والخروج عن المرجعية سببه المشارب والأهواء والمصالح التي تكون في أيدي قواد الجماعات أو عموم الناس الذين لا يعرفون من أين يأخذون دينهم. وهذه الجماعات عبر التاريخ، إما أن تفصل الناس عن مصادر الشرع (الكتاب والسنة)، وإما أن تفصلهم عن علمائهم، وكلام الكاتب يثير موضوعاً خطيراً آخر، وهو أنه يدعو الناس ويدعو العلماء إلى مجاهرة النظام بالرفض؛ إثباتاً لحالة الرفض فقط، أو إلى التهور والخروج عن النظام وعلى المجتمع حتى يقال عن العالم إنه شجاع، وحتى يستمع الناس إليه وحتى يكون ممن صدع بالحق في وجه سلطان جائر، فإن ذلك مما يلتذ به الناس، فهل هذا مقبول ؟

إن العلماء يقومون بهذا الدور ولكن ليس على سبيل إثبات الحالة أو طلب الدنيا، وإنما يقولون الحق ويقيمون عليه الدليل ويطلبون وجه الله لتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الناس ويتكلمون في الشأن الوطني ويستفيضون فيه؛ فإذ ببعضهم يغتاظ لأن عالم الدين يجب عليه أن يبقى في مسجده دون سواه، وهذا أمر سبب في ذاته فكر الإرهاب مع طائفة أخرى من الأسباب سنتناولها تباعاًَ.

وأنا أسأل الكاتب : أي الفتاوى التي صدرت حسب الطلب والتي أحجم المسلمون عن سماعها ؟ هل القتلة هم المسلمون ؟ ماذا يقصد الكاتب بهذا التعميم (أحجم المسلمون) ؟ أليس هذا مخالفاً للواقع أن يطلق على مجموعة من المرجفين مع مجموعة من الحيارى لفظ (المسلمين) وهي كلمة تفيد العموم.

وأنا أدع الكاتب الكبير أن يراجع نفسه وانطباعاته، وأن يذكر لنا فتوى أو اثنين مما صدرت تحت الطلب، وعلى الجميع أن يعرفوا الفرق بين الفتوى والموعظة والرأي الشخصي، وعلى الجميع أن يعرفوا أن إلقاء القول على عواهنه، وعدم التوثق منه وأخذه من غير مصادره، واعتماد الأخبار السيارة مصدراً مخالف للتوثيق الذي يسعى إلى معرفة الحق في نفسه (يتبع).

 

عدد الزيارات 5635 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)