طباعة

لك الله يا حقوق الإنسان

كتب المفكر العربي الأستاذ الكبير زكي نجيب محمود مقالة تحت عنوان (لك الله يا علوم الإنسان) نعى فيها على من يحاول أو يؤصل بنظرة إيمانية للدخول في دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي النظرة التي شاعت في الحقيقة في مدرسة إسلامية المعرفة، أو التأصيل الإسلامي للمعرفة، وشاعت أيضا وبصورة مختلفة بعد كتابات (ماكس فيبر) حول الأخلاق البروتوستانتية ثم في كتابات كثيرة في الاقتصاد باعتباره من علوم الإنسان من مدخل قيمي، أي أن القيم تسيطر عليه. وبغض النظر عن موقفنا من فكر الراحل العلامة زكي نجيب محمود ومساحات الاشتراك والاختلاف معه ومع مراحل تفكيره وعطائه بدأ من تسمية كتابه (خرافة الميتافيزيقيا) وانتهاء بتغيير اسمه إلى (موقف من الميتافيزيقيا) أو المقالات التي كتبها في الأهرام في نهاية حياته مدافعا عن الثقافة العربية. بغض النظر عن ذلك فقد سمحت لنفسي أن أستعير عنوان مقاله مع تغيير الموضوع من علوم الإنسان إلى حقوق الإنسان، ولعل هذا المقال يكون استمراراً لمقالي السابق (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).

1- يشغل العلام الغربي نفسه منذ فترة ليست بالقصيرة بمسألة حقوق الإنسان، فمنذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة سنة 1947 وحتى اليوم وهناك اهتمام عالمي بهذه المسألة، وصدرت وثائق ومعاهدات واتفاقات حول هذه المسألة بخلاف عشرات الآلاف من الدراسات بلغات الدنيا المختلفة، ونشأت هيئات وجمعيات غير حكومية وحكومية لرعاية حقوق الإنسان وحفظ كرامته، ولقد اهتم المسلمون ومما قالوه ونفذوه في حضارتهم (الإنسان قبل البنيان) و (تربية الساجد قبل بناء المساجد) ولذلك اهتموا أن تذهب الرعاية إلى الإنسان وأن تزيين البنيان يأتي في المرتبة الثانية بعد اكتفاء الإنسان والقيام بجميع شئونه وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا) [أحمد والبخاري والترمذي] فيمكن للمسلم وقد كلف بخمس صلوات في اليوم والليلة أن يصلي حيثما أدركته الصلاة في أي مكان في الأرض، بل إن اتصال الإنسان بهذه الأرض التي يسجد عليها لله لم يقتصر على ذلك بل امتد إلى استعمال ترابها في التيمم الذي هو بديل عن الماء إذا فقده المصلي، فالماء به الاغتسال والوضوء، فإن فقدناه استعملنا الأرض بديلا عنه، وكأنه يشير إلى البداية والنهاية أما البداية (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء : 30] وأما النهاية (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) [طه : 55].

2- واهتم المسلمون بالإنسان فجعلوا مقاصد الشريعة التي خاطبته والتي يخاطب بها الناس أجمعون وتتجاوز الزمان والمكان في جميع الأحوال خمسة، حفظ النفس : حتى تقوم حية قابلة للخطاب. وحفظ العقل : وعدم الاعتداء عليه بأي تسلط أو إكراه، بل هناك حفظ عليه في أساسه، وحفظ عليه في منهج تفكيره، وحفظ عليه في حريته وإبداعه حتى في مسائل الإيمان قال تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) [البقرة : 256] و (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون : 6] و (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف : 29] بالإضافة إلى حفظه بتحريم كل مسكر ومفتر قال تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة : 219] وعن أم سلمة رضي الله عنها : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر) [أحمد وأبو داود]. وحفظ الدين : فإن الله يحب المتقين والصابرين والمتوكلين والمحسنين ولا يحب المفسدين ولا المتكبرين والخائنين ويحب ولا يحب دستور الإنسان الحضاري. وحفظ كرامة الإنسان : التي سميت في تراثنا بالعرض، ولقد أحيط بسياج كبير من الضمانات حرمت الاحتجاز القسري والاعتقال العشوائي والتعذيب للمتهم، وحرمت السب والقذف والاتهام المسبل عن الدليل، وحرمت التفرقة العنصرية بكافة أشكالها وغير ذلك كثير من حفظ حقوق الإنسان في كرامته. واهتم المسلمون بحفظ ملك الإنسان وحرمة الاعتداء على ماله واغتصاب حقه وجعل هذا من الكبائر التي تهدم الاجتماع البشري. ومن كل هذا بنيت الحضارة الإسلامية على مؤسسة القضاء.

4- وحقوق الإنسان التي نقشت على جدران الأمم المتحدة في مدخلها ـ والتي نرجو من الله أن لا تكون قد نقشت على الحجر ثم حرموها البشر ـ وافق عليها المسلمون في العصر الحديث كما وافقوا على كل دعوة إلى الخير وعلى كل اتفاق على الرشد، كما وافقوا كذلك على إلغاء الرق ورأوا فيها مشتركا يمكن أن يتفق عليه الناس ويعيشوا فيما بينهم بسلام. ولكن من غير تأسيس نظري أو فلسفي ومن غير نظام واضح المعالم رأينا من يحشر حقوقاً مدعاة للإنسان لم يتفق عليها البشر، والحقوق المعتبرة الملزمة هي الحقوق التي يتفق عليها البشر أما ما لم يتفق عليه البشر فإنه لا عبرة فيه، وها ما زال يمثل ثقافة سائدة عند من اخترعه أو وافق عليه، وهذه الحجة يجب ألا تغيب في ظل ارتفاع الأصوات والضجيج والغوغائية التي أصبحت هي السمة الغالبة في الناس بعد أن تأخر التفكير عن النشاط كما يقول (رينيه جونو) المفكر والفيلسوف الفرنسي وهو يتأمل في تدهور الحالة الفكرية لعموم العالم أين (مونيسيكو ولوك وسبنسر وفولتير وجان جاك رسول وهيوم) فقد كانوا يتكلمون بشيء قابل للبحث والمناقشة وعرضوا أفكارهم بطريقة لافتة للنظر مع رفضنا لكثير مما ذهبوا إليه، ولكن يبدو أن عدوا عاقلاً خير ألف مرة من صديق جاهل.

5- من أين سرت لحقوق الإنسان قضية الشذوذ الجنسي ؟ من الذي جعل الشذوذ المقرف المخالف لكل دين على وجه الأرض عرفته البشرية، ذلك الشذوذ المسبب لدخول الإنسان في حياته حجيما لا يستيطع الفكاك منه، ونارا لا يستطيع أن يخرج منها، فيصاب بالاكتئاب والأمراض ؟ من الذي دسه وسط حقوق الإنسان ؟ ما نظريته أو فلسفته ؟ إنها محض غوغائية وصوت عال متشنج يقول (اتركوا الإنسان في حياته الشخصية هو حر فيها) وهل هو حر في الانتحجار ؟ وهل هو حر في ممارسة الخيانة العظمى ضد دولته ووطنه ومجتمعه ؟ وهل هو حر في تناول المخدرات وممارسة الدعارة والقتل للملل والقتل للمرض والقتل بالاتفاق ؟ إلى آخر هذه القائمة التي أباحها بعضهم في مجتمعاتهم. فهل إباحة بعض الناس لهذا الهراء يدخله في حقوق الإنسان التي يجب عليه أن يلتزم بها العالم كله ؟ إن أول شروط حقوق الإنسان أن يكون متفقاً عليها.

6- ومصيبة أخرى وهي عقوبة الإعدام التي يراد نفيها وإلغاءها، وهي تحتاج منا إلى نظر، وتأتي حيث إن الإعدام بضماناته ووضعه هو حق من حقوق الإنسان؛ حيث إن فلسفة العقوبة بنيت على ردع المجرم والقضاء على الجريمة والضمانات والشروط الموضوعة تكفي لتحقيق ذلك، ونظرية القصاص في الشريعة الإسلامية التي تمكن من العفو من أهل القتيل، فنشأ القصاص لتهدئة بالهم وإصلاح ذات البين أكثر تطوراً من الناحية الإنسانية من عقوبة الإعدام التي نمارسها اليوم، ففرصة العفو وفرصة التعويض المادي المسمى بالدية تضفي إنسانية أعلى من العقوبة المجردة. أما إلغاء الإعدام بالكلية كما ينادي به الصوت العالي غير المؤسس على نظر صحيح، ولا حتى فلسفة واضحة إنما هو اعتداء في نهايته على حقوق الإنسان.

نسأل الله ألا تكون حقوق الإنسان مشجبا يعلن عليه كل أحد ثقافته وشهواته وأموره الشخصية فحقوق الإنسان أمر مهم وخطير، ولا بد أن ننزله من الحجر إلى البشر، وأن نسعى فيما اتفقنا عليه بدلا من المهاترات التي لا تقبل عقلا ولا قلبا.

عدد الزيارات 5570 مرة
قيم الموضوع
(2 أصوات)