طباعة

القرآن فوق الأكوان

الإثنين, 04 أيار 2015     كتبه 

جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما للمرسلين‏,‏ وداعيا العالمين إلى ربهم‏,‏ وإلى يوم الدين‏,‏ فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك‏,‏ ورسالته تتوافق مع الفطرة الإنسانية.

فيسعد الإنسان عند الطاعة ويشقى عند المعصية‏,‏ حقا إنه يلهو بما يشتهيه وبالأضواء اللافتة‏,‏ لكنه يعود بعد ذلك إلى نفسه اللوامة‏,‏ والله تعالى بين لنا في صدر ‏(سورة الحجر‏)‏ هذه الحقيقة‏,‏ وبين لنا هذا التداخل بين المعصية والطاعة الذي قد يحدث في قلوب بعض الناس في الدنيا‏.‏

تفتتح السورة بحروف مقطعة‏,‏ تثبت أن القرآن فوق الحروف وفوق الأصوات‏, وأن عقول البشر لن تبلغ منتهاه‏,‏ ولن تصل إلى سر تأثيره دون ما سواه‏,‏ فالقرآن كلام الرحمن‏,‏ لا يستطيعه الثقلان‏, والقرآن فوق الأكوان‏,‏ يعلو ولا يعلى عليه‏,‏ فهو غالب لا مغلوب‏,‏ لله كم لجلاله وجماله خشعت عقول! ‏ولكم لانت لذكره وتذكرته من قلوب! سمعه أقوام فخروا للأذقان سجدا يبكون‏,‏ وعندما عرفوا ما فيه من الحق فاضت له العيون‏.‏

إنه كلام الله‏,‏ حمل من الأسرار ما فوق ظاهرة من الحروف‏,و ما فوق تلاوته بالأصوات‏,‏ وكله حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ فأعجز الخلائق في لفظه وخطه ومبناه‏,‏ كما أعجزهم في معناه ومرماه‏,‏ نزل به الروح الأمين‏,‏ على قلب سيد الأولين والآخرين‏,‏ ما أثقله! لولا أن الله سبحانه يسره بلسانه ليكون من المنذرين‏,‏ وليكون ذكرا للعالمين‏,‏ ولا يزال الله عز وجل يمنح عباده من أنوار الفهم عنه فيه بقدر معلوم‏,‏ ورزق من لدنه مقسوم‏,‏ فتفاوت الناس بقدر تحمله شرفا‏,‏ وتفاضلوا بحسب علمه قدرا‏,‏ وتساموا بقدر فهمه مراقي ودرجا‏,‏ وأما الراسخون في العلم -وقالوا آمنا به كل من عند ربنا- فلا تسأل عن مكانتهم عند مليكهم تصديقا وصدقا‏; إنه بحق ميراث النبوة قائما باقيا في هذه الأمة الغراء‏,‏ وهل ورثة الأنبياء إلا العلماء! هجره أقوام وما لهم من ناصرين‏,‏ أما الصالحون فكان موردهم ومصدرهم‏,‏ وما اتخذوا من دون الله وليا ولا نصيرا‏,‏ بل اطمأنت بالذكر قلوبهم لما ساروا على بصيرة بفضل أنوار المنزل عليه صلى الله عليه وسلم في قوله الله تعالى‏: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف:196].

يقول الله تعالى‏: (الر) [الحجر:1] والحروف المقطعة في أوائل السور هي نصف حروف الهجاء‏,‏ ولو جمعناها لخرجت جملة جميلة تصف معناه‏: (نص حكيم قاطع له سر) فالقرآن ‏(نص‏)‏ يؤخذ منه‏,‏ كل حرف فيه له معنى‏,‏ وهو‏ (‏حكيم‏)‏ وحكيم على وزن فعيل‏,‏ أي أنه محكم (لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصِّلت:42] (قاطع‏)‏ في ثبوته‏,‏ وقاطع في هدايته‏,‏ وقاطع في كونه كتاب حياة‏,‏ و‏(له سر‏) ومن أسراره تلك الحروف التي ذهب فيها المفسرون كل مذهب‏,‏ والتي لا يزال الإنسان وهو يقرؤها يشعر بضآلته -من بعد تحصيله علوما شتى- أمام كلام الله سبحانه‏.‏

والكلام واضح لا خفاء فيه‏,‏ والعلو مشاهد‏,‏ والفخامة ظاهرة‏,‏ والعظمة بادية على كتاب الله تعالى‏,‏ من أول حرف تقرؤه فيه‏: (الر) فإذ بك تفهم المعنى‏,‏ إلا أنك تقف خاشعا أمامه‏,‏ وكأنك قد هيئت لتلقي كلام عظيم من رب عظيم‏.‏

ونقف عند قوله تعالى‏: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر:2] فـ‏(رُبَ) للتقليل كما أن ‏(كم‏)‏ للتكثير (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)‏ يعني كأن الكافرين ‏(قلة منهم‏)‏ يودون في قلوبهم أن لو كانوا مسلمين‏,‏ ومعني هذا أن حجابا كثيفا بين أولئك الكافرين وبين الإسلام يحول دون إسلامهم‏.‏

بعض المفسرين حمل (رُبَمَا)‏ في الآية على التكثير‏,‏ ولكن يوم القيامة‏,‏ حين يرون عصاة الموحدين يخرجون من النار‏;‏ فيود الكافرون لو أنهم كانوا مسلمين في الدنيا‏,‏ فيخرجون كما خرجوا‏.‏

وعن صفات أولئك الخاسرين يقول تعالى‏: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر:3],‏ إذن لهم في ظاهرهم أمارات ثلاث‏:‏ أولاها الأكل (يَأْكُلُوا‏)‏ غلبت عليهم شهوة الطعام‏,‏ فشأنهم الأكل‏,‏ وسعيهم للأكل‏,‏ وكأنهم للأكل خلقوا‏..‏ والأكل مطلق‏,‏ فماذا يأكلون‏!‏؟ لا يبالون أحلالا كان أم حراما‏;‏ وبإطلاق الأكل صح أن يدخل فيه أكل أموال الناس بالباطل‏,‏ وأكل مال اليتيم‏,‏ وأكل الربا‏,‏ وأكل الدنيا بالدين‏,‏ لا عبرة عندهم بكل ذلك‏!‏ المهم بل الأهم لديهم أن يأكلوا‏; (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا‏)‏ المتعة‏:‏ وهي ثانية الأمارات‏;‏ لما طمس الله على قلوبهم ببغيهم‏,‏ وأذهب نورهم‏,‏ جعلوا أوقاتهم لمتعة‏,‏ وأنفقوا أعمارهم فيها‏,‏ وهذه المتعة متعددة بحسب الحال‏,‏ فهي كلمة جامعة فذة‏,‏ تشمل متع الجنس‏,‏ ومتع الجاه‏,‏ ومتع المال‏,‏ لكنها كلها متعلقة بالدنيا فقط‏,‏ ولا يتعلق منها شيء بالآخرة‏,‏ ولا بوجه الله‏,‏ ولا بذكره‏,‏ ولا بالطيب من القول‏, وإنما لهو ولعب وغرور وخداع ومكره ‏(وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ‏)‏ وهذه هي الأمارة الثالثة الظاهرة‏,‏ فهم يؤملون في هذه الحياة الدنيا أملا كاذبا خادعا‏,‏ ألهاهم عن حقيقتها‏,‏ وما من أجله خلقوا فيها‏,‏ ولا ترى واحدا فيهم يذكر الموت‏,‏ بل يأباه ويكرهه لأنه يكره لقاء الله‏,‏ كما قال تعالى‏: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الرُّوم:7].‏

إن القرآن غاص داخل خبايا النفس الإنسانية وكشف عن حقيقتها وخصائصها ووظائفها (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) [الملك:14],‏ والإنسان مكرم على الكون كله‏,‏ فصارت النتيجة المنطقية عند أولي الألباب‏:‏ أن القرآن فوق الأكوان‏.‏

عدد الزيارات 4896 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)

1 تعليق

  • تعليق حسين الشريف الأحد, 17 أيار 2015 13:41 أرفق حسين الشريف

    بارك الله فيك سيدنا الامام واطال الله في عمرك ان شاء الله تعالي