طباعة

فتوى ماردين بين توظيف المتشددين ومراجعات العلماء ‏(2)‏

تحدثنا في المقال السابق عن مؤتمر ماردين وفتوى ابن تيمية الخاصة بأهل تلك البلدة في وقته‏,‏ وأشرنا إلى اختلال الفهم الذي وقع فيه بعض المتشددين حين تعلقوا بهذه الفتوى دون الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص.

ليبينوا فحوى هذه الفتوى ومعناها والسياق الذي قيلت فيه‏.‏ والذي أدى إلى هذا الاختلال هو عدم الوقوف فضلا عن الدربة والاستخدام للمنهج العلمي في كيفية توثيق النصوص وفهمها لدي علماء المسلمين‏,‏ فالمنهج العلمي عند المسلمين يتكون من أركان لا غنى عنها‏,‏ هي‏:‏ الطالب‏,‏ والمعلم‏,‏ والمنهج‏,‏ والكتاب‏,‏ والمناخ العلمي الملائم‏,‏ وهي أركان إذا غاب أحدها اختلت العملية التعليمية برمتها‏.‏ وهو ما حدث عندما انتقى غير المتخصصين فتوى ابن تيمية بشكل محرف‏,‏ فحرفوا كلمة ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بكلمة ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام‏,‏ وبذلك برروا أعمال القتل والعنف والتخريب وترويع الآمنين ضد المسلمين وغير المسلمين‏,‏ والنص الصحيح لفتوى ابن تيمية عن بلدة ماردين هو‏: (‏وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة‏: فيها المعنيان‏,‏ ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام‏, لكون جندها مسلمين‏,‏ ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار‏,‏ بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه‏,‏ ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه‏),‏ وهو ما ورد في الفتاوى المصرية لابن تيمية‏,‏ ولكن ليس في النسخة المطبوعة المتداولة في خمسة أجزاء‏,‏ وإنما جاءت صحيحة في النسخة المخطوطة بمكتبة الأسد الوطنية بسورية‏,‏ وأكد ذلك العلامة ابن مفلح الحنبلي المتوفي ‏763‏ هـ‏,‏ وهو تلميذ لابن تيمية‏,‏ حيث أوردها على الوجه الصحيح في كتابه‏:‏ الآداب الشرعية والمنح المرعية ص‏212.‏

وكذلك وردت في تاب‏:‏ الدرر السنية في الأجوبة النجدية لبعض علماء السعودية لمعاصرين (12/251).‏

وقد حفظ الله تعالى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من التحريف والتصحيف‏,‏ ولذلك ورد الوحي بالتلقي من أفواه العلماء ليطابق المكتوب المقروء‏,‏ حتى إن بعضهم وقع في تحريف بعض الآيات فسخر الله له من يرد عن كتابه‏,‏ ومن ذلك ما أورده العسكري في تصحيفات المحدثين ‏(1/26)‏ والذهبي في ميزان الاعتدال ‏(3/37):‏ أن رجلا قرأ ‏(وجعل السقاية في رجل أخيه‏), فصححها له الحاضرون‏: و(جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) [يوسف:70].‏ أما في السنة فقد أورد ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث ‏(ص‏143)‏ مثالا على ذلك‏,‏ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الذين يشققون الخطب‏.‏ أي يتقعرون في الكلام ويتكبرون على الناس بهذا‏,‏ فقرأها أحد الرواة ‏(الحطب‏)‏ بالحاء المهملة‏,‏ فقال بعض الحاضرين من الفلاحين‏:‏ يا قوم كيف نعمل والحاجة ماسة‏.‏

إن غياب التوثيق في فتوى ابن تيمية أدى إلى تحريفها بشكل أهدر كثيرا من دماء المسلمين وغيرهم‏,‏ بل أضر بمقاصد الشريعة وأهدافها‏,‏ وتسبب في تشويه صورة الإسلام والمسلمين ووصمهما بالتطرف والعنف‏.‏

هذا وإن كانت القاعدة عند العلماء أن دعوى الوهم في التفسير أسهل من دعوى التصحيف في الأصل إلا أن من استخدم نص ابن تيمية المحرف قد وقع في الأمرين معا‏,‏ لأن التفسير مبني على صحة الأصل‏.‏ فهم قد جانبهم الصواب في توثيق النص وقراءته‏,‏ وأخطأوا أيضا في فهم الكلمة المحرفة من خلال السياق وسابق الكلام ولاحقه‏,‏ وأمارة ذلك الاقتران والازدواج الواردين في نص الفتوى بين قوله‏:‏ ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه وقوله‏:‏ يعامل المسلم فيها بما يستحقه إذ لو كان المراد -كما فهموا- ويقاتل الخارج لما كان هناك داع لقوله بعدها‏:‏ بما يستحقه لأن الخلاف ليس في كيفية القتال‏, وإنما في إقرار القتال ومشروعيته‏.

وبهذا نرى كيف أن التحريف في النص أدى إلى خطأ في الفهم‏,‏ وإلى أن يستخدمه قاصرو الفهم في ترويع الآمنين‏,‏ وبالتتبع يجد العاقل العالم أن كثيرا من المشكلات والأحداث الجسام التي وقعت في التاريخ الإسلامي كانت مبنية على خطأ في توثيق نصوص العلماء وخطأ فهمها‏.

إن افتقار المتلقين لفتوى ابن تيمية وافتقادهم للمنهج العلمي عند المسلمين قد أحدث هذا التحريف والتشويه لفتوى هذا العالم‏,‏ وسبب ذلك أنهم يستسهلون التقليد الأعمى دون التأكد من حقيقة الأمور‏,‏ والتبصر ببواطنها ومعرفة عواقبها‏,‏ ورغبة الناس في أن تستسهل طريق العقل عملية قديمة جدا‏,‏ فهو لا يكلفهم شيئا‏,‏ خاصة أنه ليس في خدمة العلم‏,‏ ولا تحت عباءة المنهج‏, أما العلم فيحتاج إلى الاحتراق به‏,‏ وإلى أعمال العقل أيضا فيه‏.

فلابد علينا أن نمتلك الأدوات الضرورية اللازمة لفهم أدوات التعامل مع الموروث الإسلامي أو أن نرشد إلى الطريق في ذلك‏,‏ مع ضرورة حفظ التمييز بين الأصلين المترهين ‏(الكتاب والسنة‏),‏ وبين سائر التراث الذي اجتهد في إنتاجه المسلمون من علوم وفكر‏,‏ وفقه وفتاوي‏,‏ ورؤى وواقع تاريخي‏.‏

وإننا نحذر من العقلية الخرافية وتداعياتها‏,‏ وننبه إلى أن هذا النمط القديم الجديد الذي يبرز كل حين فيحدث جلبة وضوضاء‏,‏ من أجل أن يلفت لنفسه الأنظار‏,‏ ويحقق اشتياقه الذي ضل عنه‏,‏ ويوظف تراثنا وموروثاتنا لخدمة أهدافه‏,‏ مستغلا حالة الاختلال في الفهم‏,‏ والبعد عن التوثيق‏,‏ والتمسك بالتقليد الأعمى دون وعي ولا سبيل لنا بمواجهته سوى بالتسلح بالمنهج العلمي‏, المرتبط بالتوثيق والتمحيص والفهم‏,‏ وهو المنهج الوسطي الذي يتحراه القائمون على العملية التعليمية في الأزهر الشريف وغيره من الجامعات والمعاهد المعتبرة في العالم الإسلامي‏,‏ ولا يسعنا إلا ما ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه لمن لا يجيد العلم وأدواته‏, فنقول‏:‏ هلا سألوا إذ لم يعلموا‏,‏ إنما شفاء العي السؤال‏.

عدد الزيارات 5883 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)