طباعة

الرسول صلى الله عليه وسلم المُعلم مجاهدا [2-2]

الأحد, 14 كانون1/ديسمبر 2014     كتبه 

سار الصحابة الكرامة على نهج رسولهم الأمين صلى الله عليه وسلم، واقتفوا أثره، فإذا كان النبي صلى الله عليه قرآنا يمشي على الأرض فإن أصحابه كانوا سنة تمشي على الأرض، وعلى ذلك تبعهم التابعون، ومن بعدهم حتى وصل إلينا الدين غضًا سمحًا.

        وقد واصل الصحابة الكرام مسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم في نشر الإسلام، والدعوة إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وكانوا لا يلجئون إلى القتال إلا إذا فرض عليهم من قوى العالم المتجبرة.

        فلم ينشر المسلمون دينهم بالسيف، وقد شهد بذلك المنصفون من أبناء الحضارة الغربية، فهذا المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب - وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه وسلم وفي عصور الفتوحات من بعده - : (قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة... ، ولم ينتشر القرآن إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها ، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها).

        ونسجل شهادة الكاتب الغربي الذي يدعى (توماس كارليل) ، حيث قال في كتابه «الأبطال وعبادة البطولة» ما ترجمته :« إن اتهامه ـ أي سيدنا محمد ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم ؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس ، أو يستجيبوا له ، فإذا آمن به من  يقدرون على حرب خصومهم ، فقد آمنوا به طائعين مصدقين ، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها

إن من يقرأ التاريخ ويلاحظ انتشار الإسلام على مر العصور يعلم أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، بل انتشر بطريقة طبيعية لا دخل للسيف ولا القهر فيها، وإنما بإقامة العائلات بين المسلمين وغيرهم وعن طريق الهجرة المنتظمة من داخل الحجاز إلى أنحاء الأرض. وهناك حقائق حول هذا الانتشار حيث يتبين الآتي :

في المائة العام الأولى من الهجرة : كانت نسبة انتشار الإسلام في غير الجزيرة كالآتي  ففي فارس (إيران) كانت نسبة المسلمين فيها هي 5%، وفي العراق 3%، وفي سورية 2%، وفي مصر 2%، وفي الأندلس أقل من 1%.

أما السنوات التي وصلت النسبة المسلمين فيها إلى 25% من السكان فهي كالآتي:ـ

إيران سنة 185 هـ، والعراق سنة 225 هـ، وسورية 275 هـ، ومصر 275 هـ، والأندلس سنة 295هـ.

والسنوات التي وصلت نسبتهم فيها إلى 50% من السكان كانت كالآتي :

بلاد فارس 235 هـ، والعراق 280 هـ، وسورية 330 هـ، ومصر 330هـ، والأندلس 355 هـ.

أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 75% من السكان كانت كالآتي :

بلاد فارس 280 هـ، والعراق 320 هـ، وسورية 385 هـ، ومصر 385 هـ، والأندلس سنة 400 هـ.

        من يعلم هذه الحقائق ويعلم أن من خصائص انتشار الإسلام :

(أ)        عدم إبادة الشعوب.

(ب)      الإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس؛ حيث نجد الهندوكية على ما هي عليه وأديان جنوب شرق آسيا كذلك.

(ج)       إقرار الحرية الفكرية، فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة.

(د) ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية فقيرًا حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث.

        كل هذه الحقائق وغيرها، تجعلنا نتأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل، وهو الرسول الخاتم الذي علم البشرية بأسرها فضائل الأخلاق، والتسامح، والنبل، والشجاعة، وعلى دربه سار أصحابه، والتابعون من بعدهم، وضرب المسلمون أروع الأمثلة للأخلاق وانبهر العالم من حولهم بهذه الأخلاق النبوية التي توارثوا جيلاً بعد جيل.

        هذه لمحة من سمات الرسول المعلم، وكيف كان حاله وهو يجاهد باللسان والسنان في سبيل إعلاء كلمة الله، ولإتمام رسالة رب العالمين، ولم تكن حضارة المسلمين تراثاً مكتوباً فحسب، بل كانت واقعاً عاشه المسلمون وعاشه معهم أنصارهم وأعدائهم وسجلته كتب التاريخ.

        وينبغي علينا أن نتعلم من رسولنا كل الأخلاق الفاضلة، والسلوك القويم؛ حتى نواجه العالم بحضارتنا المتجددة دائما، ولا نتبع أذناب الحضارات التي نحت الأخلاق بعيدا عن واقعها المعيش؛ فأمة الإسلام هي الأمة الشاهدة، وهي الأمة التي تحملت تكاليف الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فسد المسلمون وتركوا ما كلفهم الله به من مهام لإصلاح الأرض فسدت الأرض، فلننظر كيف عرف المسلمون وظيفتهم في الصدر الأول للإسلام، حيث قال ربعي بن عامر رضى الله عنه لرستم قائد الفرس عندما سأله : ما أنتم ؟ فأجابه  بقوله : (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) [تاريخ الطبري].

        فهذه هي رسالة المسلمين، ورسالة كل مسلم أن يكون كذلك الصحابي الجليل، رزقنا الله، اقتفاء أثر نبينا رسولنا المعلم صلى الله عليه وسلم.

 

 

عدد الزيارات 5708 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)