طباعة

شراكة غير المسلم

الإثنين, 07 تشرين2/نوفمبر 2016     كتبه 

شراكة غير المسلم

المبـــــــادئ

1- أباح فقهاء المسلمين تعامل المسلم مع غير المسلم بأنواع العقود الصحيحة بشروطها المعروفة.

2- المالكية والحنابلة يجيزون الشركة بين المسلم والكافر بشرط أن لا يتصرف الكافر إلا بحضور شريكه المسلم، وذهب الشافعية وأبو يوسف من الحنفية إلى الجواز أيضًا لكن مع الكراهة.

3- ثمن الخمر والخنزير مما باعه غير المسلم قبل مشاركة المسلم يجوز مشاركته فيه.

الســــــــــؤال

اطلعنا على الطلب المقيد برقم 193 لسنة 2011 والمتضمن: هل تجوز مشاركة المسلم لغير المسلم في تجارة ونحوها؟

الجــــــــــواب

قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ} [الحجرات: 13]، وقال تعالى: {لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

فبيَّن الله تعالى أنه خلق الناس ليعيشوا في تعارف ووئام، وليكون البر والعدل في المعاملة هو الأساس بينهم، ولو كان الذين يتعاملون مع المسلمين من غيرهم.

ولما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- خير من طبق القرآن في الحياة، نراه قد عمل بهذه المفاهيم في حياته الخاصة والعامة كفرد من أفراد المجتمع وكقائد لدولة الإسلام، ومن كل من الأمرين نأخذ التشريع والأسوة الحسنة، ففي حياته الخاصة مات -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي كما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، وفي الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عامل أهل خيبر.

ولقد فهم هذا الأمر ووعاه فقهاء المسلمين، فأباحوا التعامل للمسلم مع غير المسلم بأنواع العقود الصحيحة، سواء كانت عقود تبرعات كالهبة والهدية والوصية، أو كانت عقود معاوضات كالبيوع والإجارة والزواج بشروطها المعروفة.

وأما المشاركات فلا تختلف عن ما سبق، وإنما كرهها بعض أهل العلم خوفًا من ملابسة الشريك غير المسلم لمعاملة غير جائزة في دين الإسلام، فإذا كانت هذه هي العلة فلا بأس حينئذ بالمشاركة مع الاحتراز؛ فإن العلة إذا زالت زال المعلول.

وأما من علل الكراهة بخبث كسبهم لبيعهم ما لا يجوز عندنا، فالجواب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عاملهم مع علمه بما ذكر. قال ابن القيم: وقد عللت طائفة كراهة مشاركتهم بأن كسبهم غير طيب فإنهم يبيعون الخمر والخنزير، وهذه العلة لا توجب الكراهة؛ فإن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا". وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنُه حلال؛ لاعتقادهم حله، وما باعوه واشتروه بمال الشركة فالعقد فيه فاسد؛ فإن الشريك وكيل والعقد يقع للموكِّل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير. أحكام أهل الذمة (1/ 560).

ويمكن تلخيص كلام أهل العلم بأن المالكية والحنابلة يجوزون الشركة بين المسلم والكافر، بشرط أن لا يتصرف الكافر إلا بحضور شريكه المسلم؛ لأن ارتكابه المحظورات الشرعية في تصرفاته للشركة يؤمن حينئذ.

وذهب الشافعية وأبو يوسف من الحنفية إلى الجواز أيضًا لكن مع الكراهة؛ لأن الكافر لا يهتدي إلى وجوه التصرفات المشروعة في الإسلام، وعند أبي حنيفة ومحمد: لا تجوز الشركة بين المسلم والكافر؛ لأن الكافر يسعه أن يشتري الخمر والخنزير ويبيعهما، وليس كذلك المسلم.

والموضوع وإن كان له تفصيل في الشركات في بعض المذاهب، إلا أن هذا لا يعنينا الآن تفصيله؛ لأن المراد إنما هو بيان أصل المسألة عند العلماء، لا تحقيق مسألة ما في مذهب معين، وهذه بعض أقوال الفقهاء: ففي شركة المفاوضة عند الأحناف يقول الزيلعي:

"وَلا تَجُوزُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالممْلُوكِ وَلا بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ" لانْعِدَامِ المسَاوَاةِ؛ لأَنَّ الْحُرَّ الْبَالِغَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَالْكَفَالَةَ، وَالممْلُوك لا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا إلا بِإِذْنِ الموْلَى، وَالصَّبِيُّ لا يَمْلِكُ الْكَفَالَةَ وَلا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ إلا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ. قَالَ: "وَلا بَيْنَ المسْلِمِ وَالْكَافِرِ" وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، وَلا مُعْتَبَرَ بِزِيَادَةِ تَصَرُّفٍ يَمْلِكُهُ أَحَدُهُمَا كَالمفَاوَضَةِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ. وَيَتَفَاوَتَانِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، إِلا أَنَّهُ يُكْرَهُ لأَنَّ الذِّمِّيَّ لا يَهْتَدِي إلَى الْجَائِزِ مِنْ الْعُقُودِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لا تَسَاوِي فِي التَّصَرُّفِ، فَإِنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ اشْتَرَى بِرَأْسِ المالِ خُمُورًا أَوْ خَنَازِيرَ صَحَّ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ لا يَصِحُّ". شرح فتح القدير على الهداية 5/ 7 مع فتح القدير. ط الأميرية بولاق.

وفي المضاربة يقول الكاساني: "وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدَيْنِ، وَهُمَا رَبُّ المالِ وَالمضَارِبُ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى رَأْسِ المالِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الرِّبْحِ. أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدَيْنِ وَهُمَا رَبُّ المالِ وَالمضَارِبُ، فَأَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالْوَكَالَةِ؛ لأَنَّ المضَارِبَ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ رَبِّ المالِ، وَهَذَا مَعْنَى التَّوْكِيلِ، وَقَدْ ذَكَرَ شَرَائِطَ أَهْلِيَّةِ التَّوْكِيلِ وَالْوَكَالَةِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَلا يُشْتَرَطُ إسْلامُهُمَا، فَتَصِحُّ المضَارَبَةُ بَيْن أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ المسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ المسْتَأْمَنِ، حَتَّى لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الإِسْلامِ بِأَمَانٍ، فَدَفَعَ مَالَهُ إلَى مُسْلِمٍ مُضَارَبَةً، أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مُسْلِمٌ مَالَهُ مُضَارَبَةً فَهُوَ جَائِزٌ؛ لأَنَّ المسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ، وَالمضَارَبَةُ مَعَ الذِّمِّيِّ مُضَارَبَةٌ جَائِزَةٌ، فَكَذَلِكَ مَعَ الْحَرْبِيِّ المسْتَأْمَنِ". بدائع الصنائع (6/ 81) ط. المكتبة العلمية - بيروت.

وقال الزيلعي: "(وَهِيَ مُفَاوَضَةٌ إنْ تَضَمَّنَتْ وَكَالَةً وَكَفَالَةً وَتَسَاوَيَا مَالا وَتَصَرُّفًا وَدَيْنًا) أَيْ شِرْكَةُ الْعَقْدِ تَكُونُ مُفَاوَضَةً بِهَذِهِ الشُّرُوطِ المذْكُورَةِ؛ لأَنَّ المفَاوَضَةَ تُنْبِئُ عَنْ المسَاوَاةِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا ....... وَإِنَّمَا شَرَطَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي التَّصَرُّفِ لأَنَّ المسَاوَاةَ شَرْطٌ فِيهَا وَهِيَ تَفُوتُ عِنْدَ فَوَاتِ المسَاوَاةِ فِي التَّصَرُّفِ كَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَوْ الْبَالِغِ وَالصَّغِيرِ؛ لأَنَّ الْحُرَّ الْبَالِغَ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ، وَهُمَا لا يَمْلِكَانِهِ إلا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَالموْلَى، وَلأَنَّهُمَا لا يَمْلِكَانِ التَّكْفِيلَ لِكَوْنِهِ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً وَهُوَ شَرْطٌ فِيهَا، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الدِّيْنِ لأَنَّ الاخْتِلافَ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الاخْتِلافِ فِي التَّصَرُّفِ؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا اشْتَرَى خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لا يَقْدِرُ المسْلِمُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِ مَا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ؛ لِكَوْنِهِ وَكِيلا لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَكَذَا المسْلِمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شِرَائِهِمَا كَمَا يَقْدِرُ الْكَافِرُ عَلَيْهِ فَفَاتَ الشَّرْطُ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجُوزُ بَيْنَهُمَا؛ لأَنَّ كُلا مِنْهُمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْكَفَالَةِ وَالْوَكَالَةِ، وَلا مُعْتَبَرَ بِزِيَادَةِ تَصَرُّفٍ يَمْلِكُهُ أَحَدُهُمَا إلا أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لأَنَّ الْكَافِرَ لا يَهْتَدِي إلَى الْجَائِزِ مِنْ الْعُقُودِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهَا تَجُوزُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا فِي بَيْعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَشِرَائِهِ، وَجَوَابُهُ مَا بَيَّنَّاهُ، وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْحَنَفِيَّ وَالشَّافِعِيَّ لَمْ يَتَفَاضَلا فِي التِّجَارَةِ وَضَمَانِهَا؛ لأَنَّ الشَّافِعِيَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ شِرَاءَ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ جَائِزٌ لَهُمَا، وَفِي زَعْمِ الْحَنَفِيِّ جَائِزٌ لَهُمَا، فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي التَّصَرُّفِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى اعْتِقَادِهِمَا، وَكَذَا المحَاجَّةُ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ، بِخِلافِ المسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَتَجُوزُ بَيْنَ الْكَافِرَيْنِ لاسْتِوَائِهِمَا فِي مِلْكِ التَّصَرُّفِ وَالْكَفَالَةِ، وَلا تَجُوزُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ وَلا بَيْنَ الصَّغِيرَيْنِ وَلا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْبَالِغِ؛ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ مِلْكُ التَّصَرُّفِ وَالْكَفَالَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لا تَصِحُّ فِيهِ المفَاوَضَةُ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعِنَانِ كَانَ عِنَانًا لاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ؛ إذْ هُوَ أَخَصُّ، فَإِذَا بَطَلَ الأَخَصُّ تَعَيَّنَ لَهُ الأَعَمُّ. قَالَ رحمه الله: (فَلا تَصِحُّ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَصَبِيٍّ وَبَالِغٍ وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) لِمَا ذَكَرْنَا". تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (3/ 314) ط. دار الكتاب الإسلامي.

وقال الخطيب الشربيني الشافعي:

"وَيُكْرَهُ مُشَارَكَةُ الْكَافِرِ وَمَنْ لا يَحْتَرِزُ مِنْ الشُّبْهَةِ". نهاية المحتاج (5/ 5) ط. مصطفى الحلبي 1357هـ.

وقال العدوي المالكي:

"وَلا يَصِحُّ مُشَارَكَةُ عَبْدٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ وَلا صَبِيٍّ وَلا سَفِيهٍ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَوْكِيلِ المحْجُورِ عَلَيْهِ كَتَوَكُّلِهِ عَلَى إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ مُرَجَّحَتَيْنِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ المحْجُورِ الزَّوْجَةُ، فَلَهَا أَنْ تُوَكِّلَ فِي لَوَازِمِ عِصْمَتِهَا، وَأَوْرَدَ شركةَ الْعَدُوِّ لِعَدُوِّهِ، وَشركةَ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ لِصِحَّةِ شِرْكَتِهِمَا عَلَى المعْتَمَدِ مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ تَوَكُّلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالْكَافِرِ عَلَى المسْلِمِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ، لَكِنَّ جَوَازَهَا فِي الأَوَّلِ بِلا قَيْدٍ، وَفِي الثَّانِي بِقَيْدِ حُضُورِ المسْلِمِ لِتَصَرُّفِ الْكَافِرِ، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ فَلا يَجُوزُ. وَتَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ حَصَلَ لِلْمُسْلِمِ شَكٌّ فِي عَمَلِ الذِّمِّيِّ بِالرِّبَا اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ}، وَإِنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِهِ فِي خَمْرٍ نُدِبَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِرِبْحِهِ وَرَأْسِ المالِ جَمِيعًا؛ لِوُجُوبِ إرَاقَةِ الْخَمْرِ عَلَى المسْلِمِ وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِمَالٍ حَلالٍ، وَإِنْ تَحَقَّقَ عَمَلُهُ بِالرِّبَا وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ فَقَطْ، وَإِنْ تَحَقَّقَ تَجْرُهُ بِخَمْرٍ وَجَبَ عَلَى المسْلِمِ التَّصَدُّقُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَالرِّبْحِ مَعًا". حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (2/ 202) ط. دار الفكر.

وقال ابن قدامة الحنبلي:

"وَهَذَا الْبَابُ لِشَرِكَةِ الْعُقُودِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ خَمْسَةٌ: شَرِكَةُ الْعِنَانِ، وَالأَبْدَانِ، وَالْوُجُوهِ، وَالمضَارَبَةِ، وَالمفَاوَضَةِ، وَلا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي المالِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي المالِ كَالْبَيْعِ. فَصْلٌ قَالَ أَحْمَدُ: يُشَارَكُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ، وَلَكِنْ لا يَخْلُو الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالمالِ دُونَهُ وَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَلِيهِ؛ لأَنَّهُ يَعْمَلُ بِالرِّبَا. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ، وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ مُشَارَكَتَهُمْ مُطْلَقًا؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يُشَارِكَ المسْلِمُ الْيَهُودِيَّ، وَلا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلأَنَّ مَالَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَإِنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْخَمْرَ، وَيَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا، فَكُرِهَتْ مُعَامَلَتُهُمْ. وَلَنَا مَا رَوَى الْخَلالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، إلا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ بِيَدِ المسْلِمِ. وَلأَنَّ الْعِلَّةَ فِي كَرَاهَةِ مَا خَلَوَا بِهِ مُعَامَلَتُهُمْ بِالرِّبَا، وَبَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِيمَا حَضَرَهُ المسْلِمُ أَوْ وَلِيَهُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِمْ يُرْبُونَ. كَذَلِكَ رَوَاهُ الأَثْرَمُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لا تُشَارِكَنَّ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلا مَجُوسِيًّا؛ لأَنَّهُمْ يُرْبُونَ، وَأَنَّ الرِّبَا لا يَحِلُّ. وَهُوَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَثْبُتْ انْتِشَارُهُ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ لا يَحْتَجُّونَ بِهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ أَمْوَالَهُمْ غَيْرُ طَيِّبَةٍ، لا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ قَدْ عَامَلَهُمْ، وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى شَعِيرٍ أَخَذَهُ لأَهْلِهِ، وَأَرْسَلَ إلَى آخَرَ يَطْلُبُ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إلَى الميْسَرَةِ، وَأَضَافَهُ -صلى الله عليه وسلم- يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ. وَلا يَأْكُلُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَا لَيْسَ بِطَيِّبٍ، وَمَا بَاعُوهُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ قَبْلَ مُشَارَكَةِ المسْلِمِ، فَثَمَنُهُ حَلالٌ؛ لاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا. فَأَمَّا مَا يَشْتَرِيه أَوْ يَبِيعُهُ مِنَ الْخَمْرِ بِمَالِ الشَّرِكَةِ أَوْ المضَارَبَةِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فَاسِدًا، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لأَنَّ عَقْدَ الْوَكِيلِ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ، وَالمسْلِمُ لا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ مَيْتَةً، أَوْ عَامَلَ بِالرِّبَا، وَمَا خَفِيَ أَمْرُهُ فَلَمْ يُعْلَمْ فَالأَصْلُ إبَاحَتُهُ وَحِلُّهُ، فَأَمَّا المجُوسِيُّ فَإِنَّ أَحْمَدَ كَرِهَ مُشَارَكَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ، قَالَ: مَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ؛ لأَنَّهُ يَسْتَحِلُّ مَا لا يَسْتَحِلُّ هَذَا. قَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ عَمِّي: لا تُشَارِكْهُ وَلا تُضَارِبْهُ. وَهَذَا -وَاَللهُ أَعْلَمُ- عَلَى سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ، لِتَرْكِ مُعَامَلَتِهِ وَالْكَرَاهَةِ لِمُشَارَكَتِهِ، وَإِنْ فَعَلَ صَحَّ؛ لأَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ. المغني المطبوع مع الشرح الكبير (5/ 109) ط. الكتاب العربي.

والخلاصة أنه تصح المشاركة بين المسلم وغير المسلم، مع الضوابط المذكورة، خاصة مع وجود الدفاتر التي تُلزم بإظهارها الشركات من أجل الضرائب وغيرها.

والله سبحانه وتعالى أعلم

عدد الزيارات 5519 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)