طباعة

يختلف الناس في شهر رمضـان المبارك بشأن مسألة صلاة التروايح، فما هو الحكم الصحيح في عدد ركعاتها؟

الأحد, 25 أيلول/سبتمبر 2016     كتبه 

نعيش النزاع السنوي في شهر رمضان المبارك بين بعض المتشددين الذين يريدون حمل الناس على مذهبهم والعوام الذين قد لا يجدوا من ينقذهم من هؤلاء، وسبب هذا الخلاف مسألة «عدد ركعات صلاة التراويح» فأصحاب الصوت العالي يُخَطِّئون الأئمة والأمة بأسرها على مدى القرون الماضية، وينكرون عليهم أيما إنكار ويتهمونهم بالابتداع، ويُحَرمون ما أحل الله  إذ قالوا : « لا يجوز الزيادة عن ثمان ركعات في صلاة التراويح ».

والتراويح في اللغة : جمع الترويحة. يقول ابن منظور : « التَّرْويحةُ فـي شهر رمضان: سميِّت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أَربع ركعات؛ وفـي الـحديث : صلاة  التراويح؛ لأَنهم كانوا يستريحون بـين كل تسلـيمتـين. و  التراويح:  جمع تَرْوِيحة، وهي الـمرة الواحدة من الراحة، تَفْعِيلة منها، مثل تسلـيمة من السَّلام» ([1]).

وبمجرد التعريف اللغوي يتبين أن صلاة التراويح أكثر من ثمان ركعات، لأن الترويحة الواحدة بعد أربع ركعات، فلو كانت ترويحتين للزم أن يكون عدد الركعات اثنى عشر ركعة، والحق أن الأمة أجمعت على أن صلاة التراويح عشرين ركعة من غير الوتر، وثلاث وعشرين ركعة بالوتر، وهو معتمد المذاهب الفقهية الأربعة : الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية، والحنابلة. وهناك قول نقل عن المالكية خلاف المشهور أنها ست وثلاثين ركعة، ولم تعرف الأمة القول بأن صلاة التروايح ثمان ركعات إلا في هذا الزمن، وسبب وقوعهم في تلك المخالفة الفهم الخاطئ للسنة النبوية، وعدم قدرتهم على الجمع بين الأحاديث، وعدم التفاتهم إلى الإجماع القولي والفعلي من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، فاستشهدوا بحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: « ما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا، قالت عائشة : فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر. فقال « يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبى »([2]).

وهذا الحديث يحكي عن هدي النبي صلي الله عليه وسلم في نافلة قيام الليل عمومًا ولم يتعرض إلى صلاة التراويح؛ إذ هي قيام ليل مخصوص بشهر رمضان، وهي سنة نبوية في أصلها عمرية في كيفيتها، بمعنى أن الأمة صارت على ما سنه سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه من تجميع الناس على القيام في رمضان في جميع الليالي، وعلى عدد الركعـات التي جمع الناس عليها علي أبي بن كعب رضى الله عنه ، والنبي صلي الله عليه وسلم يقول : « عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ »([3]).

إن لم يكن مستند الأمة فعل سيدنا عمر رضى الله عنه فلِمَ تؤدى التراويح في جماعة في المسجد على إمام واحد، وكأن هؤلاء يأخذون من سنة سيدنا عمر رضى الله عنه جمع الناس على إمام طوال الشهر، وهو ما لم يفعله النبي صلي الله عليه وسلم، ويتركون عدد الركعات ويزعمون أنهم يطبقون سنة صلي الله عليه وسلم، فإن كان هذا صحيحًا، وأنتم لا تلتفوا لفعل سيدنا عمر رضى الله عنه فيجب عليكم أن تصلوا التراويح في البيت، وتتركوا الناس يطبقون دين الله كما ورثوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والأدلة على أن ذلك فعل عمر رضى الله عنه ما رواه عبد الرحمن بن عبد القارى أنه قال : «خرجت مع عمر بن الخطاب صلي الله عليه وسلم ليلة في رمضان، إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلى الرجل لنفسه، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر : نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله »([4]).

وأن تلك الصلاة التي جمع عمر رضى الله عنه الناس عليها هي التراويح، وهي عشرون ركعة، دل على ذلك عدة أحاديث منها ما رواه السائب بن يزيد رضى الله عنه حيث قال : « كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال : وكانوا يقرءون بالمئتين، وكانوا يتوكؤن على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضى الله عنه من شده القيام»([5]).

وعن يزيد بن رومان : «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان   بثلاث وعشرين ركعة »([6]).

واتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على ذلك، فذهب الأحناف إلى ذلك، قال السرخسي عن التراويح : « إنها عشرون ركعة سوى الوتر عندنا وقال مالك - رحمه الله تعالى - : السنة فيها ستة وثلاثون »([7]). وذكر الكاساني ما يؤكد ذلك حيث قال : « وأما قدرها فعشرون ركعة في عشر تسليمات، في خمس ترويحات، كل تسليمتين ترويحة وهذا قول عامة العلماء»([8]).

ويعضد ذلك ما نقله العلامة ابن عابدين في حاشيته حيث قال : « (قوله وهي عشرون ركعة) هو قول الجمهور، وعليه عمل الناس شرقًا وغربًا»([9]).

وأما المالكية فالمشهور من مذهبهم ما يوافق الجمهور، قال العلامة الدردير : «(والتراويح) : برمضان (وهي عشرون ركعة) بعد صلاة العشاء، يسلم من كل ركعتين غير الشفع والوتر.  (و) ندب (الختم فيها) : أي التراويح، بأن يقرأ كل ليلة جزءًا يفرقه على العشرين ركعة»([10]).

 

وذكر العلامة النفراوي قوة مذهب الجمهور، وموافقة أتباع مالك له، والقول الآخر لمالك فقال : « (وكان السلف الصالح) وهم الصحابة رضى الله عنهم (يقومون فيه) في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وبأمره كما تقدم (في المساجد بعشرين ركع ) وهو اختيار أبي حنيفة والشافعي وأحمد، والعمل عليه الآن في سائر الأمصار. (ثم) بعد صلاة العشرين (يوترون بثلاث) من باب تغليب الأشرف لا أن الثلاث وتر؛ لأن الوتر ركعة واحدة كما مر، ويدل على ذلك قوله : (ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام) استحبابًا ويكره الوصل إلا لاقتداء بواصل، وقال أبو حنيفة : لا يفصل بينهما، وخير الشافعي بين الفصل والوصل، واستمر عمل الناس على الثلاثة والعشرين شرقا وغربا. (ثم) بعد وقعة الحرة بالمدينة (صلوا) أي السلف غير الذين تقدموا؛ لأن المراد بهم هنا من كان في زمن عمر بن عبد العزيز (بعد ذلك) العدد الذي كان في زمن عمر بن الخطاب (ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر)... إلى أن قال : «وهذا اختاره مالك في المدونة واستحسنه، وعليه عمل أهل المدينة، ورجح بعض أتباعه الأول الذي جمع عمر بن الخطاب الناس عليها لاستمرار العمل في جميع الأمصار عليه»([11]).

 

وأما الشافعية فيصرحون بأن التراويح عشرون ركعة، ذكر الإمام النووي رضى الله عنه ذلك فقال: « مذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات، والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وداود، وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء. وحكي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع. وقال مالك : التراويح تسع ترويحات، وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر. واحتج بأن أهل المدينة يفعلونها هكذا »([12]).

ويجمع الشافعية بين مذهب المالكية ومذهب الجمهور؛ حيث عللوا زيادة الركعات عند الإمام مالك بأن ذلك لتعويض الطواف في المسجد الحرام، قال ابن حجر الهيتمي : «وهي عندنا لغير أهل المدينة عشرون ركعة، كما أطبقوا عليها في زمن عمر رضى الله عنه ، لما اقتضى نظره السديد جمع الناس على إمام واحد، فوافقوه، وكانوا يوترون عقبها بثلاث، وسر العشرين أن الرواتب المؤكدة غير رمضان عشر فضوعفت فيه؛ لأنه وقت جد وتشمير، ولهم فقط لشرفهم بجواره صلي الله عليه وسلم ست وثلاثون؛ جبرًا لهم بزيادة ستة عشر في مقابلة طواف أهل مكة أربعة أسباع بين كل ترويحة من العشرين سبع»([13]).

   

ويؤكد ذلك ما ذكره العلامة الرملي حيث قال : « وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان؛ لما روي أنهم كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. وفي رواية لمالك في الموطأ بثلاث وعشرين. وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث، وقد جمع الناس على قيام شهر رمضان الرجال على أبي بن كعب، والنساء على سليمان بن أبي حثمة، وقد انقطع الناس عن فعلها جماعة في المسجد إلى ذلك، وسميت كل أربع منها ترويحة؛ لأنهم كانوا يتروحون عقبها : أي يستريحون» ([14]).

 

أما الحنابلة فقد صرحوا بأن المختار عند الإمام أحمد عشرين ركعة، فقال العلامة ابن قدامة المقدسي : « والمختار عند أبي عبد الله - رحمه الله - فيها عشرون ركعة. وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك : ستة وثلاثون. وزعم أنه الأمر القديم، وتعلق بفعل أهل المدينة، فإن صالحًا مولى التوأمة، قال : أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة، يوترون منها بخمس » ([15]).

   

وينقل كذلك العلامة البهوتي معتمد المذهب الحنبلي فيقول عن التراويح : « سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع يستريحون، وقيل مشتقة من المراوحة وهي التكرار في الفعل، وهي (عشرون ركعة في رمضان) لما روى مالك، عن يزيد بن رومان، قال : كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين » ([16]).

حتى ابن تيمية - الذي يعتمد عليه كثير من المتشددين -  يؤكد ما ذهب إليه الأئمة ويقر بأنه السنة عند كثير من العلماء فقال : « شبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث. فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. واستحب آخرون : تسعة وثلاثين ركعة؛ بني على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقال طائفة : قد ثبت في الصحيح عن عائشة : «أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة. واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح؛ لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن»([17]).

ومما سبق نرى أن ما عليه الأئمة والعلماء والمذاهب الفقهية على مر عصور سلفًا وخلفًا، شرقًا وغربًا أن صلاة التراويح عشرين ركعة، وهي سنة مؤكدة وليست واجبة. فمن تركها حُرم أجرًا عظيمًا، ومن زاد عليها فلا حرج عليه ومن نقص عنها لا حرج عليه إلا أن ذلك يعد قيام ليل، وليس سنة التراويح المذكورة، والله تعالى أعلى وأعلم.

__________________________________________

([1]) لسان العرب، لابن منظور، ج1 ص 615.

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص 385، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 509.

([3]) أخرجه أحمد في مسنده، ج 4 ص 126، أخرجه الترمذي في سننه، ج 5 ص 44.

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج2 ص 707، والبيهقي في الكبرى، ج2 ص 492، ومالك في الموطأ، ج 1 ص 114.

([5]) رواه البيهقي في الكبرى، ج2 ص 492، ومالك في الموطأ، ج 1 ص 114.

([6]) رواه البيهقي في الكبرى، ج2 ص 492، ومالك في الموطأ، ج 1 ص 115.

([7]) المبسوط، للسرخسي، ج2 ص 144.

([8]) بدائع الصنائع، للكاساني، ج1 ص 288.

([9]) رد المحتار على الدر المختار المسمى بـ «حاشية ابن عابدين»، ج2 ص 46.

([10]) الشرح الصغير، للعلامة الدردير، ومعه حاشية العلامة الصاوي، ج1 ص 404 ، 405.

([11]) الفواكه الدواني، للنفراوي، ج1 ص318 ، 319.

([12]) المجموع، للإمام النووي، ج3 ص 527.

([13]) تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي، ج2 ص 240، 241.

([14]) نهاية المحتاج، للرملي، ج2 ص 127.

([15]) المغني، لابن قدامة، ج1 ص 456.

([16]) كشاف القناع، للبهوتي، ج1 ص 425.

([17]) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، ج2 ص 249.

عدد الزيارات 11085 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)